مسؤلية الأحزاب والمجتمع في تعزيز قيم المواطنة

خلال الحلقة الثالثة من منتدى الرأي حول موضوع : " مسؤولية الأحزاب والمجتمع المدني في تعزيز قيم المواطنة " الذي احتضنه مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية صبيحة يوم السبت 02 مارس 2013، والتي شهدت حضورا ومشاركة مكثفين من المهتمين بالموضوع إلى جانب المشاركين في الملتقى من بعض الأحزاب السياسية التي تسنى لها الحضور وبعض الجمعيات العاملة ضمن "النسيج" المدني...، وبعد الكلمة الافتتاحية الترحيبية من رئيس الجلسة الدكتور ماء العينين محمد الامام وإبرازه الأهمية البالغة لموضوع الحلقة ومسؤولية الحضور في تعزيزها وترقيتها ولفته الانتباه إلى أن الملتقى يهدف إلى التعرف على تجربة الفاعلين في الميدان حتى يكون النقاش هادفا وفعالا...، وبينما أكد الدكتور عبدالرحيم بودلال مدير مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية من جهته في كلمته الترحيبية باسم "منار المعرفة" أن الحديث عن مجموعة من القيم بدأ يأخذ أبعادا مختلفة... وأن الهدف من نافذة منتدى الرأي هو إنشاء بيئة للحوار الهادئ، وأن تناول مثل هذا الموضوع في إطار النقاش يحتاج إلى تعميق الكلام فيه إذ الأمر يتعلق بقيمة من أهم القيم.. الذي تناولته مجموعة من الجهات والمنابر...

تناولت الكلمة الأستاذة أسماء بركيطة/ باحثة في القانون لتتناول بالدرس والتحليل قيمة المواطنة سواء من خلال التعريف القانوني والدستوري العام أو من خلال تأويل محطة دستور 2011، فأوردت أن المفهوم لم يعرف استقرارا، كما أن هناك من يعتبره رديفا للديمقراطية... وأن قيم المواطنة تختلف من بلد إلى آخر ومن أمة إلى أخرى... وأن المواطنة تتداخل بين مجموعة من المفاهيم...، لكنها في المقابل أشارت إلى أن دستور 2011  ركز على مفهوم المواطنة/ المواطنة الملتزمة والمواطنة المسؤولة.. حتى أن هناك من يعتبره "دستور الحقوق والحريات" ، لتختتم بالقول أنه رغم الإطار القانوني الدستوري لم نصل إلى الهدف المبتغى... ولتلتمس باسم حصة المنتدى الاستماع إلى تجاوب الحضور (؟؟؟)

بعدها، توجه رئيس الجلسة إلى الجمعيات الحاضرة محيلا الكلمة إلى الجمعية المغربية للعمل التنموي بالتساؤل عن منظورها للعمل التنموي لبناء إنسان مندمج..؟ فكان تدخل ممثلها بالقول أن الجمعية المذكورة تأسست سنة 2001، غير أنه حاول التوقف عند مناقشة مفهوم المواطنة، فرأى أنه يختلف من الفرد إلى الجمعية إلى الدولة، لذلك رأى "وجوب تقاسم المفهوم"(...)،ثم انتقل للحديث عن بعض ما قامت به جمعيته منذ تأسيسها حيث أورد أنها قامت بخمس دورات تكوينية لفائدة جمعيات، كما ساهمت في حملات طبية على مستوى الجهة الشرقية، وأبرمت شراكات مع مجموعة من الفاعلين..، وتوزيع مجموعة من الكتب لفائدة التلاميذ، وحفر بئر بمدرسة ابن الهيثم بأحفير، وتأسيس المدرسة الإيكولوجية، وتوزيع الملابس، وقفة رمضان،والدراجات...

هذا، وتحدث أيضا عن مفهوم المواطنة الذي ينحصر في الوطن، لكن بتوسعه ليشمل الدين واللغة وإلى مجموع القيم المشتركة سيمتد إلى مفهوم المواطنة في إطار الأمة.. على غرار "المواطنة الأوربية"..

وتوقف الدكتور ماء العينين محمد الامام عند ملاحظة، وهي أن السعي ليس فقط عند الوقوف على الإنجازات وإنما الإكراهات أيضا..،ليحيل الكلمة إلى ممثل جمعية النبراس للثقافة والتنمية رافعا التساؤل عن تجليات المواطنة..؟ ليرد المتدخل هذه المرة أنه لتحقيق الأهداف المجتمعية لابد من المزاوجة بين العمل الثقافي والعمل التنموي بغية تحقيق أهداف مجتمعية مذكرا أن جمعية النبراس تأسست سنة 1982 حيث كرست كافة الجهود للعمل الثقافي الصرف على اعتبار أن المشروع الثقافي وقتئذ كان يعرف تخبطا.

هذا، ولفت إلى أن التحرك على مستوى القيم هو الذي يحقق المواطنة ويحقق الكرامة...

   وفي تدخل لممثل الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة، أورد مجموعة من الأسئلة والاستفهامات المحورية من قبيل :

  • ألا ترون أن العمل التربوي يسعى إلى تكريس مفهوم المواطنة ؟
  • كيف نعمل على تكريس مفهوم قيم المواكنة من خلال العمل التربوي ؟
  • لم لا نتحدث – من جانبنا – عن المواطنة المغاربية.. ليردف بتساؤل مفتوح لم يستثن من الخطاب جمعيته.. " أين المواطنة المغاربية " ؟

 ثم يضيف بالقول أن جمعيته "لم تعد تعرف ما هو المطلوب أمام الصعود إلى مراتب المسؤولية من يعتمدون فلسفة إسلاموية (...) ليضيف .. علينا أن نعمل على إنتاج وعي جديد، وليؤكد على ضرورة توفر القابلية لتحول الفرد إلى شخص ثم إلى مواطن...

بينما رأى رئيس جمعية المنصور الذهبي للتنمية أن المواطنة ليس لها مفهوم واضح ومتفق عليه بالإجماع، لكنه في المقابل أكد على ضرورة تمكين التلميذ من ممارسة حقه بكل شفافية، وعلى ضرورة الإيمان بالاختلاف ليتسنى الوصول إلى تحقيق إنجاز..، موردا أن جمعيته استطاعت إنجاز شريط سمته : " الحق في بلادي".

وبالانتقال إلى الفعل السياسي، تحدث الأستاذ عزيز الداودي/ فاعل نقابي، عن أن بناء الدولة الحديثة يقع على عاتق هياكل الدولة، وأن النظام السياسي في المجتمع هو انعكاس لتوجهات الأحزاب مبرزا أنه لابد من وجود تعددية حزبية عمودها التعدد السياسي مشيرا إلى ضرورة استحضار المشهد السياسي المغربي الذي يعاني من أزمة حقيقية نتيجة السعي المتواصل – كما قال – إلى إضعاف الأحزاب الذي يتم عبر طرق عديدة ومختلفة تجلت منذ حصول المغرب على الاستقلال حين تم تأسيس " الجبهة الوطنية للدفاع عن المؤسسات الدستورية "، ثم غياب الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، ومن شأن ما يجري وما جرى ببعض الأحزاب ( إثر انعقاد مؤتمراتها وانتخاب هياكلها...) أن ينعكس على المواطن الذي سيعزف عن المشاركة السياسية والانتخابية لاحقا... ثم أضاف أن سعي كل حزب إلى خلق "ذراع نقابي" ! معناه في النهاية السعي إلى استخدام الطبقة العاملة وليس إلى خدمتها( !!!) ليضيف أن البرامج الحزبية يجب أن تكون قابلة للتنفيذ ويجب أن تكون متبوعة بالمحاسبة.. وليختتم بالقول أنه لترسيخ قيم المواطنة يجب " أن نسعى إلى ذلك ميدانيا، فإذا انتقلنا إلى السوق سنقف على مشاهد مناقضة تماما لمفهوم المواطنة ( احتلال الملك العام، التحرش الجنسي...).

ولدى تدخل ممثل حزب العدالة والتنمية، أورد أن موضوع المواطنة من موضوعات السهل الممتنع، وأن حزبه يحاول أن يجعل من مرجعيته (المرجعية الإسلامية) سندا له، فيرى أن لا ممارسة سياسية بدون أخلاق وأن الارتباط وثيق بين السياسة والديمقراطية، وأن المواطنة تنبني على قناعة العطاء دون أخذ، وأن الأخذ دون عطاء يعني الانتهازية، وأن ربط المسؤولية بالمحاسبة مبدأ دستوري مهم جدا يسعى الحزب إلى تفعيله وترسيخه، ثم إن محاربة الريع السياسي تجعل المواطن يثق في العمل السياسي لتنطلق المنهجية الديمقراطية وتتحقق التنمية وتتحقق المواطنة المنشودة.

وفي معرض تدخله، أشار ممثل حزب الاستقلال إلى أن حزبه منذ تأسيسه سنة 1934  كان واعيا بدوره في تأطير المواطنين، وقد سعى دائما – ومن خلال هياكله – إلى بناء الإنسان وخدمة مفهوم المواطنة بدءا من خدمة الطفل وتربيته على قيم المواطنة إلى مرحلة الشباب...

وفي إطار تشخيصه لواقع الحال ذكر أن المواطنة – كما يراها حزب الاستقلال – حالها كارثي، إذ ما فتئ العمل على إضعاف الأحزاب السياسية يتجلى من خلال المخزن، ومن خلال الشارع ( احتلال الملك العام، تدمير الاقتصاد الوطني/ التهريب...)، كما أن اقتصاد الريع يكرس كراهية المواطن لبلده – يضيف المتدخل – .

بينما أفاد ممثل جمعية فضاء التضامن والتعاون للجهة الشرقية أن جمعيته عانت كثيرا من الإقصاء من طرف الإدارة، مؤكدا أن العمل لديهم يتسم بالتطوع الصرف وينطلق من روح المواطنة وحب الوطن على الرغم من غياب أي دعم، ومع ذلك استطاعت الجمعية إنجاز أكثر من مائة (100) نشاط في الفترة مابين 2001 إلى 2013، مشددا على أن الدولة المغربية ينبغي لها أن تخضع لقيم المواطنة.

وتدخل ممثل النسيج الجمعوي بوجدة ليشير إلى أن المواطنة هي محاربة الجهل... والتلوث، وأن هناك مواضيع عديدة مرتبطة بقيم المواطنة تناقش داخل فضـاء تكوين وتنشيط النسيج الجمعوي الذي هو فضاء مفتوح فعلا للعمل الجمعوي.

لكن الدكتور بنيونس المرزوقي، الأكاديمي، أستاذ العلوم السياسية  شد الأنظار بمداخلة أشار فيها إلى  "أننا في أمس الحاجة إلى هذه اللقاءات وهذا النوع من المواضيع"، وليلفت الانتباه إلى أن الموضوع كما هو مطروح يحتم علينا تحديد طبيعة هذه المواطنة، هل هي حق أم واجب، فالمواطنة في معناها تتكاثف من حيث التعريفات المتداخلة بين المواطنة الصالحة والمواطنة الحقة والمواطنة الحقيقية والمواطنة المغربية، ثم انتقل للحديث عن إيجابية التعدد وأهمية تشجيع الأحزاب على أداء دورها وتكريس التعددية السياسية من خلالها...

وجاءت إثره كلمة الدكتور خالد الشيات أستاذ القانون العام بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أيضا ليشدد على ضرورة التمييز بين البناء النفسي المرتبط بالشخصية المواطنة ومفهوم المواطنة (البناء النفسي والبناء الذاتي)، ومقاربتهما لمفهوم المواطنة، وليميز بين الدولة التي هي بناء قانوني والتي تمثل السيادة، والدولة الوطنية التي هي توافق اجتماعي...

وبالانتقال إلى المحور الموالي والذي جمع بين محورين، لضيق الوقت/ مستلزمات الانتقال بالمواطنة من شعار إلى ممارسة جادة، و دور الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني في ترسيخ وتعزيز قيم المواطنة، أعطيت الكلمة لممثل حزب الاستقلال الذي دعا إلى تقوية الأحزاب السياسية وإعطاءها دورها، وتمكينها من الإعانات المالية لتمويل الأنشطة التي تقوم بها، كما دعا إلى خلق المقاولة المواطنة وإلى محاربة اقتصاد الريع، كما دعا أيضا إلى إعداد سياسة اقتصادية تنسجم وروح المواطنة، وإلى أن تسهر الدولة على تنظيم روح المقاولة بمشاركة المجتمع المدني ودعم الأحزاب السياسية، وإلى العمل على محاربة مجموعة المظاهر المسيئة لروح المواطنة وفي مقدمتها ظاهرة الرشوة.

أما ممثل حزب العدالة والتنمية فقد عبر عن أمله في أن تكون الأحزاب السياسية – عبر ممثليها في البرلمان والغرف المهنية – قدوة في ترسيخ وتعزيز قيم المواطنة، كما دعا إلى ضرورة إعادة هيكلة الأحزاب السياسية، وإلى محاربة الريع بجميع أوجهه حتى الريع السياسي.. وتغيير الأنفس ( وقوفا عند الآية الكريمة : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم").

وفي تدخله مجددا، أكد الأستاذ عزيز الداودي/ الفاعل النقابي أن ترسيخ قيم المواطنة لا يمكنه أن يتم دون ترسيخ العدالة الاجتماعية، ومنها التوزيع العادل للثروة، وكذلك إصلاح منظومة الأجور، وإصلاح صندوق المقاصة وصندوق التقاعد دون الإضرار بمصالح الفقراء... كما دعا إلى إعطاء مجلس المنافسة الدور التقريري في إطار مواجهة "اقتصاد الريع"..

وفي تدخل ممثل النسيج الجمعوي أشار إلى أن الكل يتحمل المسؤولية "لأن القوانين تبقى حبرا على ورق إن لم تفعل"، مشددا على أن العزوف عن العمل السياسي تتحمل فيه الأحزاب السياسية المسؤولية، بينما العزوف الجمعوي تتحمل المسؤولية فيه الجمعيات..

ودعا من جهته ممثل جمعية فضاء التضامن والتعاون إلى تفعيل منطق المحاسبة بكل جدية مشددا على رفض منطق "عفا الله عما سلف".

بينما أكد ممثل جمعية المنصور الذهبي للتنمية على ضرورة الإلحاح في التمسك بالحق والحقوق.. إلى حد إحراج الإدارة، وعلى ضرورة تحدي المفسدين حتى من كبار المسؤولين..

وبالنسبة لممثل الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة، فقد رأى أن العلاقة حميمية جدا بين المواطنة والديمقراطية، وأن تأصيل المواطنة مرتبطة بتجديد الوعي السياسي ومن ثم لابد من خلق شروط إمكان تحقيق المواطنة..

وتمنى ممثل جمعية النبراس للثقافة والتنمية أن لا تكون هناك تجارب للإصلاح تنتهي بالفشل، مشددا على أن الفعل المنظم شرط للنجاح وعلى ضرورة الفعل التشاركي، كما دعا إلى الدفع بمشاركة العلماء .. ولو من الباب الثقافي(...).

ومن جهته، ألح ممثل الجمعية المغربية للعمل التنموي على ضرورة الانتقال من الشعار إلى الممارسة، مؤكدا على أن المجتمع المدني ليست له أدنى حساسية مع الأحزاب ليشير أن جمعيته ليست لها علاقة بالأحزاب ولا بالأجهزة الرسمية للدولة ولكنها منفتحة على الجميع. لكنه في المقابل أشار إلى أن التعددية النقابية هي تمزيق للطبقة العاملة وهي خطيرة جدا على المجتمع وتختلف كثيرا عن التعددية الحزبية، داعيا إلى ضرورة ترسيخ العدالة الاجتماعية لضمان مواطنة حقة..

وإثر هذه المداخلات، اختتـم اللقـــاء بمناقشة مفتوحة أمام الحضـــور.

                                                                                                                       عبدالله بوكابوس