الحكامة الأمنية والأخلاق

تقرير حول اليوم الدراسي في موضوع:

الحكامة الأمنية والأخلاق

من إعداد: د. لؤي عبد الفتاح

عن وحدة الدراسات الجيوسياسية

نظمت وحدة الدراسات الجيوسياسية يوم الخميس 03 مايو 2018، بمقر مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة (منار المعرفة)، يوما دراسيا حول موضوع: "الحكامة الأمنية والأخلاق"، شارك فيه عدد من الأساتذة والباحثين المختصين والمهتمين بالموضوع، تناولوا فيه بالدرس والتحليل بعض أهم المواضيع والإشكالات المتصلة بجوانب العلاقة بين قطاعات ومصالح الأمن في علاقتها بالمحددات ذات الطبيعة الأخلاقية. 

وقد استهل النشاط بجلسة افتتاحية تناول الكلمة خلالها كل من الأستاذ محمد الإمام ماء العينين ممثلا عن مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة، والأستاذ عبد الإله العطار نائب عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة، والأستاذ لؤي عبد الفتاح منسق وحدة الدراسات الجيوسياسية بالمركز ممثلا عن اللجنة المنظمة. وقد أكد المتحدثون على أهمية الموضوع منوهين إلى تعدد الإشكالات والمفارقات التي يطرحها على صعيد النظر إلى  الصلة بين مجالين يبدوان متناقضين في الظاهر، لا سيما في سياقات تعدد وتنوع أشكال التهديد الأمني وفي إطار الحرب العالمية على الإرهاب، وما أنتجته من تعمق الهواجس الأمنية وتشديد تدابير وإجراءات الأمن التي تعتمدها الدول حتى في تشريعاتها الأمنية. ليبقى طرح المسألة الأخلاقية، مع ذلك، مشكلا لبعد مهم وحاسم في الفعل الأمني المتسم بتميز وسائله، وبمقدرته "السهلة" على مجافاة الكثير من المحددات والضوابط.   

وبعد استراحة قصيرة، انطلقت أشغال الجلسة العلمية الأولى، والتي تولى تسييرها الأستاذ رابح آيناو. وكان أول متدخل خلالها الأستاذ زين العابدين حمزاوي بورقة تحت عنوان: "المقاربة الأخلاقية في المجال الأمني"، استعرض خلالها بعض أهم عناصر الحكامة الأمنية وأهمية مفهوم الأمن الإنساني فيها مركزا على مضامينه الأخلاقية. ثم عرج المتدخل على أبرز المقاربات النظرية المؤطرة للفعل الأمني في بعده الأخلاقي متحدثا عن ثلاث نظريات رئيسية: الواقعية، والتي ترى في المصلحة الأمنية للدولة مسألة تسمو على أي اعتبارات أخلاقية، فالغاية هنا تبرر الوسيلة ولا مجال للحديث عن تقييدات ذات طبيعة أخلاقية في ذاك الفعل، ثم النظرية الموقفية: التي تقيد التصرف الأمني بمحددات أخلاقية تبعا لظروف وتحديات الحالة أو الموقف، بمعنى أنه قد يجوز التغاضي عن الأخلاقيات متى كان التمسك بها منبئا عن أخطار أو أضرار قوية الأثر، وأخيرا، النظرية الأخلاقية: التي لا ترى أي موجبات لعدم احترام الضوابط الأخلاقية واحترام حقوق وكرامة الإنسان بريئا كان أو مشتبها به أو مجرما. هذا، وقد أشار الأستاذ إلى خصوصية مجال الاستخبارات في علاقته بالأخلاق، وإلى كونه، في زمن الحرب على الإرهاب، أضحى أكثر المجالات الأمنية طرحا للجدل حول مدى أخلاقية الأنشطة التي تمارسها الأجهزة المختصة به عبر العالم.

وكانت المداخلة الثانية من تقديم الأستاذ محمد دلّال باللغة الفرنسية، متناولة موضوع مجتمع المعلومات وحقوق الإنسان والخيار الأمني"، حيث تناول تلك العلائق المعقدة التي تضع الخيار أو حتى السلوك الأمني تحت إكراه الانتشار الواسع للتكنولوجيا الرقمية التي أسست لمجتمع المعلومات وانعكست على مجال حقوق الإنسان، لا سيما الحق في حرية التعبير والحق في الإعلام والاتصال المعزز عمليا بوسائل التواصل الاجتماعي، وكذا، تحت مسعى السلطات العامة في الدولة للحفاظ على النظام العام والأمن الداخلي والخارجي. وقد حاول المتدخل ربط هذه المفارقات بالمقاربات البيوسياسية للحوكمة التي ألغت كل المسافات بين الأمن الداخلي والأمن الخارجي، لتتعقد أكثر فأكثر المسألة الأمنية، ذلك أن تعسفات وتجاوزات كثيرة، سواء من طرف مستخدمي وسائل المراسلة الإلكترونية  أو من طرف القوات العمومية، تحدث نتيجة للجهل بالقانون أو لسوء تفسيره وتأويله. وقد أوضح المتدخل عبر نماذج عملية، شملت حالات استخدام وسائل التوصل الاجتماعي في كندا والولايات المتحدة، عددا من مظاهر تضارب القوانين ذات الصلة أو غموضها في الحالة المغربية، وخصوصا، حالات التعسف وسوء التقدير من لدن مختلف الأطراف. وقد خلص المتدخل إلى أن إعمال المحددات الأخلاقية في إطار من المسؤولية الاجتماعية، سواء من طرف المستخدمين أو السلطات الأمنية، يمكن أن يمثل عنصر توازن نسبي بهذا الشأن، شرط أن يسير بالموازاة مع إصلاح المنظومة القانونية ذات العلاقة وسد ثغراتها المعقدة، الأمر الذي سيحتاج، ولا شك، إلى زمن ليس بالقصير.

أما المداخلة الموالية، فقد قدمها د. خالد القضاوي في ورقة بعنوان: "المبادئ العامة لأخلاقيات الأمن العالمية". وقد أشار إلى أن المرحلة التي تمر بها العلاقات الدولية في عصرنا الراهن تعرف حالة يمكن وصفها "بانعدام الأمن المزمن"، بالنظر إلى تعدد أشكال وأنواع الحروب التي لا تنتهي. وتتعمق وضعية اللاأمن المزمنة تلك حين تلجأ الأطراف الدولية والمجموعات المحلية إلى وسائل لا تقيم اعتبارا للمشروعيات القائمة من أجل حماية نفسها أو تحقيق مصالحها، والتي غالبا ما تحمل في طياتها انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان والشعوب. من هنا، تظهر أهمية طرح المسألة الأخلاقية في الأمن العالمي، في إطار البحث عن التوافق على محددات أخلاقية كونية تساهم في تنمية وتعزيز الأمن والسلم في العالم. واستعرض الباحث أهم التطورات التي عرفها موضوع الأخلاق الأمنية على مستوى التنظير والممارسة الدولية، منوها إلى الفشل الذي يعرفه المنظور الليبرالي في إبداع خطاب أمني عالمي قادر على تحقيق التنمية والأمن والعدالة لمختلف الشعوب والمجتمعات، ليخلص إلى أن أخلاقيات الأمن العالمي لا بد وأن تقوم على مبادئ تقع في قلب الممارسة الدولية، أولها، المسؤولية الأمنية العالمية، بحيث تكون كافة الأطراف مسؤولة عن تحقيق الأمن بمختلف توابعه، وثانيها، المسؤولية الأمنية المستقبلية في كل ما من شأنه أن يؤثر على أمن الأجيال القادمة، وأخيرا، مبدأ الحتمية العالمية الشاملة للأمن، بحيث يتم إقرار مسؤولية الدول والأطراف والفاعلين الأمنيين، دوليين ومحليين، عن الأعمال المنسوبة إليهم، والتي تحمل تأثيرا آنيا أو مستقبليا على الدول والمجتمعات والأفراد.

وأخيرا، قدم الباحث يونس براهمي مداخلته بالفرنسية تحت عنوان: "الاستخبارات بين منطق الدولة والأخلاق"، التي عالج فيها الخصوصية المعقدة لمجال الاستخبارات كأحد أبرز أوجه النشاط الأمني، فيما يتصل بالمسألة الأخلاقية، والتي كثيرا ما تصطدم بفكرة "منطق الدولة ». وهي لذلك تمثل مسألة شائكة وإن أضحت تعرف المزيد من الاهتمام خاصة في الدول الأنجلوساكسونية. فواجب ضمان أمن الدولة واستقرار مؤسساتها وسلامة مواطنيها ومجتمعها  بالرجوع إلى مصالح استخبارية تحظى بالمصداقية والفعالية، يوجب بدوره مصادمتها باعتبارات أخلاقية معينة ، متضمنة مناحي مهنية، قد يكون لها دور هام في لجم تصرفاتها المستفيدة من وسائل العمل المتميزة ومن عنصر السرية والتكتم. واستعرض الباحث بعض العناصر التي يرتكز عليها منطق الدولة باعتبارها أساس خضوع الاستخبارات لمعايير أخلاقية: فبرغم تنامي مساعي الشفافية والرقابة على تلك المصالح بما فيها رقابة البرلمان، ومحاولات وضع معايير السلوك لها في إطار وجوب الالتزام بالقانون، لاسيما في الدول الديمقراطية، إلا أن كافة تلك التوجهات تبقى وفية، بشكل من الأشكال، لفكرة منطق الدولة بكل ما تحتويه من تبريرات موضوعية ترمي إلى شرعنة فعل الدولة وسلوكياتها.

وقد أعقب أشغال الجلسة الأولى نقاش مهم، أبرز اهتمام الحاضرين وتفاعلهم مع ما يثيره من مشكلات محيرة أحيانا. وكان من جملة ما أثير، مفهوم الأخلاق وما الذي يقصد بها بالتحديد، وعما إذا كانت تخضع لمعايير موحدة ومشتركة في مختلف المجتمعات فيما يتصل بالمجال الأمني، وكذا، تفريقها عن مفاهيم مجاورة أو متداخلة معها من مثل "الأخلاقيات" و"أخلاقيات المهنة" و"الضمير العام"... كما تناول الحضور مسوغات منطق الدولة وما الذي يمكن أن يقيدها عبر خضوع مفترض للمصالح الأمنية لرقابة أجهزة خارجية أو لمحددات أخلاقية ذاتية، كما أثيرت بعض التساؤلات حول تمثل المجتمع لمصالح الأمن وللقضايا الأمنية وكيف تعكس التشريعات السياسة الأمنية للدولة، إلى غير ذلك من القضايا ذات الصلة.  

وبذلك انتهت أشغال الجلسة الأولى لتنطلق الجلسة العلمية الثانية والتي تولى تسييرها الأستاذ زين العابدين حمزاوي. وقد استهلت بمداخلة للباحث د. بن أحمد حوكا تحت عنوان: " العوامل المؤثرة في الاتجاه نحو الحرب: معالم جغرافية للدوافع العسكرية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا". وقد حاول عبرها بحث مستوى الاستعداد للحرب وطبيعة الدوافع العسكرية لدى الشعوب العربية، مشيرا بداية إلى أن تاريخ العلاقات الدولية يبين أن إحلال السلم من خلال القانون الدولي هو أمر تعتريه مجموعة من الاختلالات التي تنجم عن مطامح ومصالح الدول الكبرى بالأساس، وهذا واقع حوّل هواجس الأمن إلى رحاب الرأي العام في المجتمعات الحديثة، لتتشكل قوى اجتماعية في منظمات طوعية مناهضة للحروب أثبتت فعالية معتبرة، مساهمة في سحب البساط من النخب المتحدثة والمتصرفة باسم الدول، لاسيما في المجتمعات الديمقراطية. على أن قوة هذه التوجهات لا بد وأن ترتبط بانتشار النزعات المناهضة للحروب والثقافة الإنسية في مجتمع ما. ومن خلال الاعتماد على معطيات البحث الدولي حول القيم، والتي تم تحليلها باستعمال عدد من الأدوات الإحصائية في العلوم الاجتماعية، مضى المتدخل في دراسة قيم الحرب لدى عشر مجتمعات عربية تشمل المغرب والجزائر وليبيا وتونس ومصر والبحرين واليمن وقطر ولبنان والعراق، خالصا إلى أن هناك تأثيرا مباشرا وغير مباشر يحدثه "حس الشرف" على تكثيف الدوافع العسكرية والاتجاه نحو الحرب، مع وجود فروق واختلافات جوهرية بين المجتمعات العربية بهذا الشأن.

أما المداخلة الثانية، فقد تقدم بها الأستاذ لؤي عبد الفتاح، وكانت تحت عنوان: "البعد الأخلاقي في العلاقة بين الأجهزة الأمنية وصناع القرار السياسي". وقد أوضح أن العلاقة بين مصالح الأمن وصانع القرار، هي علاقة بين "إنتاج" يعبر عن الفعل الأمني والمعلومات الأمنية وبين مستهلكين لذلك الإنتاج يعبرون عن مطالبهم بخصوص الاحتياجات الأمنية، وهؤلاء هم صانعو القرار. أما البعد الأخلاقي فهو يطرح بالنسبة للجهتين على مستويات عدة: ففي مستوى أول، يمكن للسياسي أن ينزلق في بئر "اللاأخلاقيات" إذا ما قام بتصرفات من قبيل: تحويل مهام أجهزة الأمن عن نشاطها الأصلي لأهداف شخصية، أو دفع الأجهزة للعمل خارج إطار القانون أو الضغط عليها لتوفير معلومات بأي ثمن، وفرض أهداف وأساليب مثيرة للجدل مثل الاختطاف والإخفاء القسري والتأثير على المجموعات والتخريب والتلفيق...وفي مستويات أخرى، تنجم الانزلاقات الأخلاقية عن سلوكيات الأجهزة ذاتها، حين تحاول إثبات صلاحية مواقف سياسية معينة (التسييس)، سواء للتأثير على القادة أو لمحاولة استرضائهم، أو تستخدم وسائل مشددة في الاستنطاق، أو حتى تسليم المشتبه بهم إلى دول لا تحترم حقوق الإنسان. إلى ذلك تبرز مسألة الأخلاق في الفعل الأمني لا سيما عندما تقبل مصالح الأمن القيام بمهام غير مشروعة ولو طلبها صانع القرار، أو في حالات ما يعرف "بالعمليات السرية" التي تستهدف توجيه الأحداث، حيث أن بعض الدول تعتبرها غير أخلاقية. وأشار المتدخل إلى عدد من الأمثلة المتصلة بهذه الحالات، منوها إلى أهمية قيم وأخلاق الفرد كمستوى بالغ الأهمية سواء تعلق الأمر بصانع قرارات أو بمسؤول أمني، حيث يخضع موقف الفرد إزاء الممارسات والوضعيات والأهداف لمؤثرات أخلاقية قوية وخطرة، فالبيئة الأخلاقية التي تعمل فها قطاعات الأمن هي انعكاس مباشر لأخلاقيات النظام السياسي. وفي كل الأحوال، فإن إطارا أخلاقيا مناسبا في الفعل الأمني يتطلب الحفاظ على استقلالية وتجرد مصالح الأمن وإبعادها عن دائرة التسييس، إلى جانب العمل في إطار المشروعية بمنأى عن التمكين الذاتي.

وكانت المداخلة الموالية موضوع ورقة قدمها الأستاذ عثمان الزياني في موضوع: "الرقابة البرلمانية على أجهزة الأمن في اختبار الأخلاقيات الديمقراطية". وقد أشار إلى أن دراسة موضوع الرقابة البرلمانية على الأجهزة الأمنية يكتسي أهمية بالغة بحكم طبيعة العمل الذي تقوم به، والذي يمكن أن يشكل تحديا حقيقيا للديمقراطية وتهديدا لحقوق وحريات المواطنين،فالأجهزة الأمنية دائما ما تكون إزاء اختبار البحث عن كيفية الموازنة بين الحفاظ على الأمن والقيام بمختلف أدوارها من جهة،وحماية الحقوق والحريات وعدم تعسفها في استعمال سلطتها واختصاصاتها من جهة ثانية ،وهو إشكال له ارتباط كبير بطبيعة البيئة التي تمثل فيها، ديمقراطية أم غير ديمقراطية ،بمعنى أن هذا المعطى له علاقة وطيدة بدرجة التطور الديمقراطي للدولة، وبالتالي بدرجات تمثل النظام للأخلاقيات الديمقراطية وتمسكه بها. وفي هذا السياق تبرز القيود التي تقف دون فعالية الرقابة البرلمانية على تلك المصالح في المغرب وفي كثير من النماذج المقارنة. فهذه القيود متنوعة وتتخذ أبعادا قانونية ومؤسساتية، ناهيك عن عنصر الخبرة والاحترافية لدى البرلمانيين والثقافة التي تؤطر أنماط سلوكهم إزاء مجال تكتنفه الكثير من الحساسيات السياسية ويطبعه الغموض والتكتم. وفي خضم هذه الإكراهات، يرى المتدخل أن ثمة ضرورة لاستجابة المصالح الأمنية بمختلف تشكيلاتها لمعايير الأخلاقيات الديمقراطية من حيث وجوب الاقتناع بكفاية النظام الأمني، وبأنه يخضع في فعله للقانون وللمشروعيات، وبالتالي وجوب تقديم الحسابات لممثلي الشعب لتعزيز ثقة المجتمع والمواطن بتلك الهياكل التي طالما مثلت حاجزا نفسيا من الريبة والتشكك إزاءها. وأكد الأستاذ المتدخل بأن الأسس المعيارية والأخلاقية لتوجه كذاك، ستكون ضرورية كونها المؤطرة لخضوع قطاع الأمن لمبادئ الشفافية وإتاحة المعلومات للبرلمانيين، علاوة على أن سبل تكريس مثل وثقافة وقدرات المراقبة لدى هؤلاء وتعزيزها بمختلف الوسائل، للتحول الأجهزة الأمنية إلى دائرة الانضباط لقواعد العمل والسلوك الديمقراطي بشكل يجعلها مساهمة في بناء صرح الديمقراطية بدلا من أن تكون عامل هدم لها.

أما المداخلة الرابعة، فقد قدمها بالفرنسية  الباحث محمد أمين بلقايد، وكانت تحت عنوان: "الاستخبارات ومحاربة الإرهاب: الانعكاسات الأخلاقية". وقد أشار المتدخل بداية إلى أن انتشار الإرهاب أدى إلى أن يصبح المنطق الأمني مؤسسا على حالة من "توقع الأسوأ" وعلى الشك ولاستعجال والطوارئ. وباستعارة المقاربة ما بعد الوضعية في العلاقات الدولية للمدرسة البنائية-النقدية، وباستدعاء مفهوم "الأمننة" (sécuritisation » لصاحبه "ويفير (Weaver) الذي يتمثل الأمن كبنية، يوضح المتدخل كيف أضحت السلطات في الدولة، في زمن عولمة التهديد الإرهابي، خاضعة لتعمق هواجس الشك والأمن، ومقيمة نظاما للحكامة الدفاعية والوقائية بحسب منظور ميشيل فوكو، أدى إلى نظام من المراقبة المعممة بكل ما حمله ويحمله من ممارسات تجافي المشروعية والأخلاق. ليعالج المتدخل بالتالي، الشكل الذي يمكن أن تتخذه أخلاق مصالح الاستخبارات، التي يبقى من المحتم إخضاعها لرقابة صارمة، ستبقى مع ذلك قاصرة في لجم تلك المصالح أخلاقيا. ليعرج على مقاربة انعكاسات إقامة ما يسميه فوكو "بمجتمع المراقبة المعممة" وآثاره العميقة على المجتمع، بل وحتى على طبيعة سلطة الدولة ومهام مصالحها الأمنية واختصاصاتها الممنوحة لها بموجب القوانين، بكل ما يثيره ذلك من جدل ومفارقات محيرة، هي في كنهها، مهددة لعناصر ومعايير طالما تأسست عليها النظم الديمقراطية "الكلاسيكية"، ناهيك عن دورها في تعزيز الأفول والتراجع في نشر النظام الديمقراطي عبر دول العالم، مكرسة تطور وانتشار "النظم أو الدول البوليسية".

وأخيرا، كانت مداخلة الباحث د. المصطفى بنموسى بعنوان: "الحق في الحصول على المعلومات الأمنية في ضوء المعايير الأخلاقية". وقد بدأ المتدخل بالتذكير بأهمية الحق في الوصول إلى المعلومات العامة في تعزيز شفافية السلطة وممارساتها، منبها إلى أهمية حق الجمهور كذلك في الحصول على المعلومات ذات الطبيعة الأمنية برغم أن "الأمن الداخلي والخارجي للدولة" غالبا ما يندرج ضمن الاستثناءات الواردة على الحق في المعلومات، نظرا للحساسيات التي يثيرها. وأشار المتدخل إلى أن جانبا من أخلاقيات المجال الأمني يتضمن ضرورة السعي إلى تحييد ذلك الحاجز النفسي الذي كثيرا ما ينشأ في العلاقة بين المجتمع والأجهزة الأمنية، الشيء الذي يتحقق من خلال تعزيز شفافية تلك الأخيرة وإمكانية مراقبتها ومحاسبتها وتتبع أنشطتها وممارساتها عبر ما يتاح عنها من معلومات للعموم وللأفراد عند طلبهم لها. وأكد المتدخل بأن خضوعا لأجهزة الأمن للمعايير الأخلاقية بهذا الشأن سيتطلب من جهة، تدخلا تشريعيا من أجل وضع تحديد دقيق لدائرة الاستثناءات التي يمكن أن ترد على الإفصاح عن المعلومات وإعطائها لمن يطلبها، بمعنى، التوضيح الكافي لفئات المعلومات المستثناة من أجل حماية مصلحة مشروعة للأمن الوطني، ومن جهة أخرى، لا مناص من أن تعمل مصالح الأمن على وضع تصنيفات كافية الوضوح ومعلومة لدى العموم، للمعطيات السرية أو الخصوصية، لئلا يفتح المجال واسعا للسلطة التقديرية للإدارة أو حتى للقضاء في اعتبار معلومات معينة داخلة ضمن الأسرار أو خلافه، وهو الأمر الذي سيودي عمليا بأي مضمون حقيقي للحق في المعلومات ذات الصبغة الأمنية.  

وقد أعقب هذه الجلسة كذلك، نقاش مفيد تفاعل خلاله الحضور مع مختلف المداخلات، وطرحت فيه عدة تساؤلات تناولت تأثير فكرة الشرف على الدوافع الحربية للمجتمعات العربية وعما إذا ما كانت هناك عوامل أخرى ذات أهمية بهذا الخصوص، كما تناولت بعض الجوانب العملية التي تلامس علاقة صانع القرار بالأجهزة الأمنية ومدى حضور العنصر "الديمقراطي" في ترتيب تلك العلاقة بالشكل المناسب والمقبول. كما أثيرت تساؤلات حول مجتمع المراقبة المعممة وأين يمكن أن تبدأ حدوده الأخلاقية وأين تنتهي في ظل الجدل حول مدى فعالية الرقابة على أجهزة الاستخبارات. وأثار الحضور مسألة تصنيف المعطيات السرية كعملية فنية ضرورية بإمكانها توضيح الفاصل بين "المسموح به" و"غير المسموح به" في الحصول على المعلومات الأمنية وتداولها.

وهكذا، انتهت فعاليات هذا اليوم الدراسي، على أن تعمل اللجنة المنظمة على نشر أوراقه البحثية في مؤلف خاص في أقرب الآجال، وعلى أمل الالتقاء في مناسبات علمية قادمة بإذن الله.

                                                                                                                                           وجدة في: 06 مايو 2018