فقه التواصل الحضاري والظاهرة الاستغرابية من خلال المتن السفاري المغربي

رصد تحليلي لقضايا النهضة والتحديث في المغرب المعاصر و الحديث

 

تقرير بحث لنيل شهادة الدكتوراه في تاريخ المغرب

 

تحت إشراف فضيلة الدكتور:

محمد منفعة

 

إن أهمية هذه الرسالة تنبع من كونها تعالج قضية حيوية جدا وهي العلاقة مع الآخر عموما وعلاقة المغرب مع الغرب الأوروبي خصوصا. فقد بدأت مسألة (انفتاح) المغرب على الظاهرة الغربية منذ أكثر من قرنين، وعند مواجهة أي ظاهرة مثل هذه، لابد من معرفة ظروفها التاريخية والاجتماعية وخلفياتها الدينية والثقافية... إذ إن أي ظاهرة فكرية أو علمية أو اجتماعية أو سياسية لا توجد دون مقدمات، بل إن ثمة مركبا من الأسباب أدى إليها، وهي جزء من نسيج مجتمعي حضاري ترك فيها تحيزاته وتوجهاته ورؤاه.

ظلت العلاقة بين المغرب وأوروبا خلال قرون محل جدل عميق وتوجس متبادل. كما ظل المسلمون – عموما - متفاوتي النظرة إلى أوروبا منذ قرون، إلا أن المرجعية الموحـدة للمسلميـن قد تسهـل الحسـم في العلاقة مع الآخر، فالحمد لله  الذي يقول: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[([1])

إن الناظر إلى تاريخ المغرب في علاقته بـ ( الآخر ) يلاحظ ذلك الصراع المستمر منذ أن تمكنت الدولة الإسلامية المغربية منذ فتح الأندلس في القرن الأول الهجري، حيث ظل كل طرف يرى في (الآخر) منافسا وعدوا يسعى إلى فرض سيطرته، عبر جولات أربع كبرى:

كانت الجولة الأولى مع الفتوحات الإسلامية، ثم الجولة الثانية مع الحروب الصليبيــة (ق11-ق13م)، ثم الفتوحات العثمانية التي كانت بداية للتوغل الإسلامي في أوروبا النصرانية، وأتت الجولة الرابعة وهي استعمار العالم الإسلامي – والمغرب جزء منه - الذي تم فيه التحالف بين الصهيونية والصليبية لنهب ثرواته، و بدايات محاولة صياغة الحياة الإسلامية على النمط الغربي عبر مجموعة من الوسائل والأدوات، كان أهمها الاستشراق الذي فعل فعله في نخبة من مثقفينا .

وقد رافق علاقة الاحتكاك المغربي بأوروبا، بعد حضاري وثقافي يمكن حصره في المراحل التالية:

- تأثير الإسلام - بفعل التفوق الحضاري والعسكري، خاصة في عهود الدولة الأموية في الأندلس والموحدية والمرابطية في المغرب - على مراكز الضعف الثقافي والحضاري في أوروبا، كان من نتائجه حدوث ما يسمى بالاستيقاظ الأوروبي، توج بعصر النهضة الأوروبية فيما بعد، خاصة بعد إيجاد وسيلة الاستشراق الذي كانت له مهمة تاريخية واضحة في تحصين الهوية الأوروبية، ثم إيجاد مراجع علمية (مستشرقون) تستطيع تفسير بنية الإسلام الفكرية والعلمية والاستفادة منها في البناء الحضاري الأوروبي، وأصبح الاستشراق يمثل رأس الحربة في توجه سياسات أوروبا الاستعمارية منذ أواخر القرن الثامن عشر وحتى الآن، وإن تبلور اليوم في أشكال جديدة تتمثل في مراكز الدراسات الإسلامية في الجامعات الأوروبية، ومراكز الدراسات الاستراتيجية التي ترسم السياسات الأوروبية في مجالات متعددة، وهذا يفضي بنا إلى المرحلة الثقافية التالية:

- وتتميز فيها العلاقة مع الغرب بـ" التغريب "  الذي بدأت جذوره منذ سفاريات (لحظة الهزيمة والاكتشاف خلال القرن التاسع عشر)[2]، إذ تمكنت أوروبا خلال هذه المرحلة  من توجيه طلائع "المثقفين المغاربة" إلى الفكر والفلسفة الأوروبية، ويبدو هذا جليا لاحقا من خلال مختلف المؤلفات السفارية المغربية لأوروبا، التي عكست (لحظة الدهشة واستعادة الوعي التي أعقبت لحظة الهزيمة والاكتشاف)[3] في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

ولفهم هذا الوضع غير المتوازن بين المغرب وبين الآخر/أوروبا، وفقه أشكال الهيمنة الأوروبية في تلك اللحظة التاريخية، لابد من:

- إدراك خطورة وسر العلاقات غير المتكافئة على المغرب إدراكا جيدا واعيا.

- فقه الاستراتيجيات التي جسدت هذا الإدراك في بعده الفكري/ الثقافي والاقتصادي والسياسي و..، واستحضار البعد الحضاري الذي قام به المغرب طيلة (لحظة القوة والثقة في النفس) والتمسك بالهوية والممانعة تجاه أوروبا.

- قيام  جهود تهتم بإعادة دراسة العلاقات المغربية الأوروبية في شتى الجوانب العلمية والاقتصادية والسياسية و... وتفهم منطلقات الغرب الأوروبي وأهدافه ونظم حياته الثقافية والفكرية، من خلال دراسات تقوم على أساس علمي وعملي، لها منطلقات ومرجعية واضحة، ولها وسائل وأدوات ناجعة، ولها أهداف وطموحات نافعة تحقق شروط عودة المغرب إلى سلف عهده في القيام برسالته على المسرحين الاسلامي والدولي. ومن أهم أدوات الدراسة في هذا المجال: المتن السفاري المغربي.

إن "دراسة الغرب" - من خلال السفاريات المغربية  التي نتوق أن تكون محور رسالتنا هذه- ينبغي أن تنطلق:

- من استثمار أدب الرحلة السفارية لإبراز حقيقة  الانبهار بأوروبا من جهة، والشعور بالانتماء والتميز الحضاري والفكري للمغرب المسلم من جهة أخرى.

- من إبراز المدى الذي وصلت إليه منهجية الرحالة  المغاربة في نقض مفاهيم وقيم أوروبا، بروح علمية ورؤية مؤمنة تتوخى الفهم العميق لـ ( الآخر ) قصد الاستفادة من إيجابياته وتلافي سلبياته.

- من تسليط الضوء على جهود كتاب المتن السفاري  المغاربة في بلورة رؤية علمية للتعامل مع أوروبا التي عرفت تحولات خطيرة على المستوى الداخلي والخارجي، حيث التقدم التقني والاقتصادي والعسكري الكبير الذي جعل أوروبا تسيطر على أجزاء كبيرة من العالم، رؤية تؤسس لأن يصبح الغرب عموما وأوروبا خصوصا - موضوعا للعلم بعدما ظل مصدرا له لفترة طويلة. وهو ما عبرت عنه بالظاهرة الاستغرابية.

وبعبارة أخرى:

 إن (الاستغراب) الذي نعنيه في هذا البحث، هو تلك المحاولة الجادة التي قام بها المغاربة – من خلال سفارياتهم - لدراسة الغرب ليس بهدف الترف الفكري والثقافي، بل لتحصين الهوية المغربية الإسلامية وتأسيس علاقات سليمة وشاهـــدة مـــع أوروبا.

إن صناعة المستقبل هي صناعة الزمن القادم الذي يمكن أن نتحسسه ونستشعر آثاره، ولذلك أدرك كثير من الرحالة المغاربة أنه لابد من أن يتدخلوا بإرادتهم للتأثير في صناعة حركة المستقبل المغربي آنذاك، المستمدة من الرؤية المؤمنة ببعدها الروحي وأساسها العقيدي الإسلامي وفق السنن الإلهية المبثوثة في الكون والحياة والإنسان، القاصدة للاستخلاف الرباني الذي من أهم وسائله الملحــة معرفة (الآخر) قصد استثمار إيجابياته في إعادة البناء الحضاري المغربي المنشود.

 وتجدر الإشارة إلى أن المغرب احتل موقعا بالغ الحساسية في الإستراتيجيات الأوروبية، لذلك وقع تحت وطأة الاستعمار الأوربي. ولكن تاريخا سبق العصر الإمبريالي، أدى هو الآخر دورا كبيرا ومستبطنا في تشكيل الرؤية المغربية لأوروبا، وهو تاريخ الصراع المغربي مع أوربا. لقد رأى المغرب في الحقبة الإمبريالية، امتدادا لصراعات قديمة، وانتقاما أوربيا من حقبة الصعود المغربي الإسلامي القديم، وقد أسهم الخطاب الأوروبي الإمبريالي، الذي استعار الكثير من رموز الماضي، في تعزيز هذه الرؤية.

جاءت أوروبا إلى بلاد المغرب مستعمرة، وعندما انسحبت جيوشها في مرحلة الاستقلال الوطني، لم تترك وراءها ذكرى المجازر التي ارتكبتها في المغرب فحسب، بل تركت بلادا مزقت أوصالها، تعيش حالة متصلة من التخلف والجهل والأمية... وقد زادت السياسات الأوروبية من عجز المغرب عن اللحاق بمستويات التقدم والقوة الأوروبيين. لذلك تحولت المدنية الأوروبية منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر إلى منبع استلهام للمغاربة في سعيهم المضني للنهوض، وأصبحت أوروبا بالتالي المثال والعدو في الآن نفسه.

 

السفارية في الوعي الإسلامي  المغربي وسؤال (قيمة الماضي):

إن معرفة الغرب/أوروبا وقراءته قراءة واعية ضرورة كانت تمليها تحديات الزمن الحضاري الذي كان يعيشه المغرب خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وقبل ذلك تمليها الضرورة الشرعية التي نستشفها من خلال مجموعة من آي القرآن الحاضة على التفكر والتأمل في سير الأمم للمعرفة والاعتبار.

وقد تفاوت علم كثير من الرحالة والسفراء المغاربة بأن هذه القراءة الواعية لا تتحقق إلا إذا امتلكوا ناصية العلمية والمنهجية التي تؤكد على المنطلقات الواضحة والأهداف الناصعة والوسائل الناجعة في مباشرة عملية الاحتكاك الواعي والسليم مع أوروبا قصد تحقيق الاصلاحات والتحولات الكبرى التي كان يحتاجها المغرب آنذاك.

فقد شكلت السفارية المغربية إحدى قنوات التواصل الحضاري بين المغرب وأوروبا، واتسمت بالطرافة والجمع بين الإفادة والإمتاع، فالمطلع على متون السفاريات المغربية لا يتعرف على الأمكنة التي وصل إليها صاحب السفارية فحسب، بل سيطلع على أفكار وتصورات ورؤى وعادات وتقاليد بلد الزيارة.

ولذلك نلاحظ أن الرحالة المسلمين سواء في المشرق مثل الطهطاوي أم في المغرب مثل المكناسي، يشكل ما كتبوه مادة علمية خصبة لمؤرخي الفكر العربي الإسلامي وتطوره خصوصا في العلاقة مع أوروبا وكيفيات النظر إلى تقدم الغرب وتأخر المسلمين وانحطاطهم، ولذلك لابد من إدراج الثقافة السفارية المغربية في إطار الإشكال العام للفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر الذي يبحث  في سؤال"قيمة الماضي" وفعل المرجعية والتراث الإسلاميين فيه، وفي سؤال" ثقل الحاضر" وما يثيره من هموم نهضية في مجالات الاجتماع والسياسة والحضارة والثقافة، هموم تستدعي قوة الماضي الحضاري وعظمته، والذي يشكل ثقافة لا يملك الرحالة- مهما حاول – أن يتخلص منها حين سفره، حيث تظل ملازمة له، في رؤيته للأشياء التي يصادفها، بل وفاعلة فيه وموجهة له في صياغة الموازين والمعايير لقياس مفردات حضارة المحيط الذي يحل به.

ولذلك فالرحلة أو السفارية "إنباء عن ذهنية الرحالة وتصوير لمكونات "الوعي الثقافي" عنده أكثر من كونها حديثا عن البلد موضع المشاهدة، أو إخبارا عن القوم أهل البلد أو الإقليم موضوع الزيارة"[4]، لذلك فإن من وظائف السفارية كونها مصدرا في معرفة "الآخر"، وما يميزها حين يقوم بها مسلم، أنها تكون لاستكمال المعرفة وتنقيحها كما حدث مع رواة الحديث النبوي الذين يحققون في سند الرواية أو طلب الإجازة للحصول على قدرة معرفية معينة، كما تكون من أجل معرفة أحوال الدنيا وأخلاق البشر لقوله تعالى }قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل{ سورة الروم: 42.

إن السفارية تحضر في الوعي الثقافي الإسلامي كمسؤولية دينية تتوخى الدقة وعدم الكذب، لأن الخبر في الإسلام أمانة وحمل ثقيل ومصدر من مصادر المعرفة الإسلامية التي تتيح الشهادة الحقيقية والصائبة على الناس.

وكان الرحالة المسلم - أيام القوة -  يحس بالرضى كلما حقق وظائف السفارية، وكان التفوق يلازمه في نظره إلى الآخر، إلا أن الرحلة في عهد الانفتاح على أوروبا تغيرت موازينها، فالشعور بالقوة تحول إحساسا بالانحطاط والضعف، والشعور بالرضى تحول إلى قلق ورغبة في إدراك بعض ما يجده عند الآخر الذي فاجأه في أرضه وبلاده غازيا مستعمرا، لا يملك أسباب القوة والمنعة المادية فحسب، بل إنه يتوفر على أسس المعرفة والعلم الحديثين وينعم - في بلاده - بما يجد الرحالة المسلم أنه في وطنه من عناصر الحق والعدل الغائبين.

في مشروعية العودة إلى السفاريات؟

يعد القرب الجغرافي والتنقل البشري من بين العناصر التي تساعد على تفاعل الحضارات، وتواصلها فيما بينها، وبالنظر إلى المغرب فإن هذين العنصرين أديا دورا مهما في علاقته بالحضارة الأوربية، ذلك أنه لا يفصله عن هذه الأخيرة سوى مضيق صغير (جبل طارق) شكل معبرا تواصليا رئيسيا على مدار التاريخ السفاري المغربي الأوروبي.

وقد بدأ تدوين المصادر السفارية مع أيام السلطان مولاي إسماعيل، ثم ازدهرت كتابتها – فيما بعد-عبر حكم ثلاثة من الملوك، انطلاقا من سيدي محمد بن عبد الله، الذي بتوجيهه كان تدوين سفرائه لرحلاتهم، إذ سجلوا فيها ارتساماتهم عن الدول التي سافروا إليها.

وبعد محمد الثالث، فإن حفيده السلطان محمد الرابع، هو الذي اقترح على أكنسوس تأليف "الجيش العرمرم". ثم تصاعد هذا الاهتمام مع السلطان الحسن الأول، وهو المشير على شيخه أحمد بن الحاج العالم الفاسي، بتدوين"الدر المنتخب المستحسن"، وفي مراكش ندب عالمها محمد بن إبراهيم السباعي، إلى تـأليف "البستان الجامع لكل نوع حسن"[5].

فكيف تمثلت النخبة المغربية منجزات النهضة الأوروبية ثقافيا وحضاريا خاصة منذ نهاية القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر ؟

وما هي أهمّ المبادئ الإصلاحية التي حفلت بها كتابات مرحلة انشغلت بدعوات التحديث الاجتماعي والسياسي وتشييد دولة وطنية معاصرة ومتطوّرة مواكبة للمنجزات الحضارية التي يعرفها محيطها الأوروبي؟

هذه أسئلة تسترعي الاهتمام كلما أراد المرء النظر إلى أحوال النهضة والتقدم والتأخر ، والإصلاح والانفتاح على الآخر، وفوائد ومفاسد الحداثة الغربية وجذورها...

ثم إن التساؤل حول مشروعية العودة إلى نصوص تنتمي إلى حقبة ماضية، وعن الفائدة التي يمكن أن نجنيها من وراء مساءلة هذه النصوص وتحليلها، تساؤل مشروع لحاضرنا ومستقبلنا في ظل التحولات المطردة التي يعرفها العالم اليوم، وإن مسوغ هذه العودة يستمد أساسه من الحوار والتواصل الذين يفرضان استمراريتهما بين الماضي والحاضر، ومن اعتبار أننا نحيى حاضرا تاريخيا مأزوما مازال يعاني مما حاولت نخبة الرحالين السفاريين مباشرة التفكير في سبل تجاوزه.

واللافت للانتباه في تطور الاسطوغرافيا المغربية الحديثة هو أنه إذا كان موضوع صورة المجتمع المغربي كما صاغتها خطابات الأجانب على اختلاف جنسياتها وتخصصاتها قد حضيت بنصيب وافر من اهتمامات الباحثين المغاربة، فإنه خلافا لذلك إن الصورة المعكوسة نادرا ما اجتذبت فضول الدارسين، نقصد صورة المجتمع الأوربي كما أنتجتها نصوص فئة من مثقفي مغرب القرن الثامن عشر  والتاسع عشر، ومن ضمنها نصوص تقارير الرحلات السفارية.

ويمكن أن نعزو سر هذه المفارقة إلى هاجس الرغبة الوطنية، الذي يحرك كل باحث مغربي للتحرر من عقدة الأسطوغرافيا الاستعمارية وتعرية خلفياتها التي غالبا ما عمدت إلى تشويه معالم صورة الكيان المغربي، هذا بالإضافة إلى ضخامة الإنتاج الأجنبي الذي ورثته الأسطوغرافيا الوطنية، إذ يصادف الباحث أمامه ركاما هائلا من نصوص متعددة ومتفاوتة القيمة من مونوغرافيات ومؤلفات الرحالة وتقارير البعثات العسكرية والدبلوماسية، وهي كلها تشكل مادة غنية تغري وتسعف الباحث المغربي على إنتاج خطاب تاريخي نقدي ومضاد لخطاب الآخر. بينما قد يرجع عزوف الدارسين عن دراسة موضوع تصورات النخبة المغربية لأوربا إلى عامل فقدان ما يكفي من التآليف التي تسمح للدارس أن يخضعها لتحليل يتيح استخراج عناصر الأفق النظري الذي كان يتحرك فيه تفكير أصحابها، هذا فضلا عما تتسم به هذه النصوص – في نظر البعض – من ضحالة فكرية وخلوها من أي سعي نظري جاد، إذ لسنا حيال كتابات من صنف ومستوى كتابات رواد النهضة أمثال رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وغيرهما، والتي شكلت موضوع قراءات عديدة ومتباينة في منطلقاتها ونتائجها[6].

و من بين ضرورات الاشتغال على متن الرحلة المغربية إلى أوربا هو أنها، في مجملها، مدفونة في شكل مخطوطات نادرة، بل إن المطبوع منها يعتبر في عداد المفقود. الشئ الذي أدى بكثير من الباحثين إلى إغماطها حقها والتنكر لريادتها. فهذا الدكتور خالد زيادة يقول: إن "الأتراك العثمانيين، كانوا أول من طور نظرة موثقة للغرب، مبنية على مشاهدات دقيقة على امتداد القرن الثامن عشر(...). لهذا فإن تقرير السفير التركي محمد أفندي جلبي عام(1720م)، بعد زيارة إلى باريس، جاء ليسجل أول نظرة إلى جوانب من الحياة الأوربية لذلك العصر". والواقع أن هذا الحكم مبني على تجاهل ـ أو جهل ـ الباحث بالرحلة المغربية الشهيرة باسم: "رحلة الوزير في افتكاك الأسير"، من قبل المولى إسماعيل إلى كارلوس الثاني، ملك إسبانيا.

إن طموحي من وراء استقراء نماذج من تقارير الرحلات السفارية المغربية هو اكتشاف دور هذه التقارير في تعميق الوعي بضرورة مطلب الإصلاح الذي لم يكن نتاج مرحلة اقتضاها التطور الذاتي للمجتمع وقواه الفاعلة فقط، بل اقتضاه ضغط خارجي وتهديد استعماري، فأصبح مطلبا للرفع من المستوى المادي والحضاري للمجتمع المهدد، وليتمكن من المواجهة والتطور معا، تهديد مازالت تتكرر فصوله المؤلمة حتى اليوم، عصر النظام الدولي الجديد والعولمة والحداثة ...

إن من شأن العودة إلى النصوص السفارية وإخضاعها لتأمل تحليلي نقدي، أن تكشف عما طبع خطاب كتاب السفاريات من توتر خفي باطن وملازم لهذا الخطاب، توتر يكمن في تقديم صور متعددة لأوربا، صور ملتبسة ومتناقضة أحيانا، حيث جسدت أدبيات هذه التقارير تعايش نزعتين، محافظة ومتفتحة، تعايش تمثل في تأرجح هذا الإنتاج بين الدعوة للانغلاق والانطواء، والميل إلى الانفتاح والاقتباس، وهو تأرجح يجد تفسيره في المنطلقات النظرية التي يصدر عنها، إذ لابد من استحضار ثقل الموروث الديني الذي كان يحرك صياغة هذا الخطاب.

 

فـي ملحاحية طرح إشكال العلاقة مع أوروبا في الـبنـيـة الـثـقـافـيـة المغربية

إن مما يزيد من ملحاحية إثارة إشكال العلاقة مع "الآخر" كون المغرب من أكثر البلدان الإسلامية قربا من أوروبا، حيث لا تفصله عنها إلا بعض كيلومترات، وهذا المنطلق الجغرافي فرض علاقات خاصة مع أوروبا خلال القرون السابقة، وذلك مالم يتوفر لغيره من البلدان الإسلامية من حيث الصلات السياسية والعلاقات التجارية، بل والتأثرات الاجتماعية... كما أن قدرته على الحفاظ على الندية في التعامل مع أوروبا مكنته من المحافظة على استقلاله السياسي زمنا طويلا خصوصا بعد سقوط عدد كبير من دول العالم الإسلامي في قبضة الغرب، وإفلاته من القبضة العثمانية التي رابطت على حدوده الشرقية.

إن هذه المعطيات- وغيرها مما لم نذكر- كان لها انعكاس مباشر على السفارية المغربية، وهي المتن الذي عكس إلى حد كبير الموقف من الغرب ومؤسساته ومرجعياته الفكرية والسياسية والاقتصادية والعسكرية... ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام، ذلك التشابه العجيب والشديد بين المتون السفارية في المشرق والمغرب في كثير من الأحيان، وعلى سبيل المثال، لا الحصر ، فإن المطلع على متن الطهطاوي" تخليص الإبريز في تلخيص باريز" ومتن رحلة الصفار يتبين حضور الأول في متن الثاني لأنه سبقه، ولأن الإشكالات المثارة كانت متشابهة كثيرا مثل السعي للاستفادة من أوروبا في المجالات العسكرية والاقتصادية والنظم الإدارية، بل تعدى الأمر إلى النواحي الاجتماعية "مثل قضية المرأة"، والسياسية مثل العمل بالدساتير والقوانين الوضعية. ورغم هذا التشابه، حاولت في هذا البحث إبراز بعض الخصوصيات والسمات النوعية التي تميز رحلات المبعوثين المغاربة.

فـ"إذا كانت الرحلة المغربية صوب أوروبا تشترك ضرورة، مع الرحلة العربية المعاصرة من جهة تعبيرها عن الوعي العربي الإسلامي... فإن رحلات المغاربة تقدم عن ذلك الوعي صورة ثقافية مختلفة، قد يعزى هذا الأمر إلى طبيعة البناء السياسي للدولة المغربية في جوانب كثيرة من نظمها، لما كانت عليه دولة " الباب العالي"، وحيث كان المسافر المغربي مبعوثا رسميا" أو هو في جملة الوفد الرسمي". فقد كان من الضروري أن يكون لهذا الأمر أثره في ملاحظات السفير وانطباعاته، وهو يقارن بين بلاد الإسلام وبلدان النصارى.

إن للتجربة السفارية المغربية خصوصيات ومميزات منها ما يتصل بالتاريخ ومنها ما يتصل بالجغرافيا ومنها ما يتصل بالهدف ومنها ... لكن البعد الثقافي الذي يستمد مكوناته وركائزه ومرجعياته من الفكر الإسلامي كان قوام التجربة.

 ورغم الاختلاف الحاصل في عدد وأهمية المتون التي تحاول رصد العلاقة مع "الآخر"، إلا أن النصوص التالية أغلب ذلك وأكثره أهمية حسب الكثير من مؤرخي الفكر المغربي الحديث والمعاصر، وهذه المتون هي:

أ ـ الإكسير في فكاك الأسير (محمد بن عثمان المكناسي):

كانت وجهة الرحلة هي إسبانيا، والسفير فيها هو كاتب الرحلة ذاته هدفها افتكاك الأسارى المسلمين، وزمنها نهاية القرن الثامن عشر(1779/1780).

ب ـ البدر السافر لهداية المسافر إلى فكاك الأسارى من يد العدو الكافر (محمد بن عثمان المكناسي):

رحلة "سفارية" كانت وجهتها نابولي ومالطة بعدها (نونبر1781/أكتوبر 1782).

ج ـ رحلة الصفار(محمد بن عبد الله الصفار):

 وجهتها فرنسا، استغرقت شهرين على وجه التقريب (بين نهاية 1845 ومنتصف الشهر الثاني من سنة 1846) .

د ـ الرحلة الإبريزية إلى الديار الإنجليزية (محمد الطاهر الفاسي):

كان الفاسي، صاحب الرحلة، كاتبا للبعثة، وزمانها صيف 1860، ومدتها تتجاوز الشهرين بقليل، ووجهتها بريطانيا.

هـ ـ تحفة الملك العزيز بمملكة باريز(إدريس العمراوي):

 خرجت السفارة، موضوع هذه الرحلة، من مدينة فاس قاصدة باريس في اليوم نفسه الذي قصد فيه محمد الطاهر الفاسي، أبو الجمال، وأصحابه بريطانيا، وتقارب مدة الرحلة الشهرين.

و ـ التحفة السنية للحضرة الحسنية بالمملكة الإسبنيولية (أحمد الكردودي):

المقصود بالحضرة الحسنية في العنوان المذكور هو السلطان الحسن الأول. مدتها قاربت سبعة أشهر من عام 1884.

ز ـ إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار(إدريس الجعايدي):

رحلة "سفارية" امتدت عدة أشهر من سنة 1876، قام فيها صاحبها بزيارة كل من فرنسا وبلجيكا وإيطاليا وإنجلترا.

حـ  ـ رحلة الغسال (الحسن الغسال) :

 توجه فيها إلى لندن في سنة 1903، موفدا للملك المغربي عبد العزيز بن الحسن قصد تهنئة الملك إدوارد السابع بعد توليته عرش بريطانيا.

ط ـ حديقة  التعريس في بعض وصف ضخامة باريس (عبد الله الفاسي):

وهو نص محاضرة عن الرحلة، وبلغة الوقت الذي كتبت فيه فهي"مسايرة" تحدث فيها عبد الله الفاسي عن رحلة "سفارية" إلى باريس ومقامه فيها تجاوز السنة ونصف السنة بدءا من أواخر سنة 1909.

ي ـ الرحلة الأوروبية (محمد الحجوي):

رحلة "سفارية بروتوكولية" في الشق الأول منها، وجهتها باريس، وسياحية" في الشق الثاني منها بريطانيا.

 

لغة  الخطاب السفاري وهموم التحديث

لعل الناظم بين جل هذه النصوص هو مزجها بين التعبيرات المتداولة في الأوساط "المخزنية" (لغة السلطة) وبين التعبيرات الفقهية التي ترتبط بالمخزون العلمي الموروث، كما تحمل نفس هموم التحديث (الأوربة)، بل تحمل الدعوة إلى تجاوز القديم، صراحة أحيانا وضمنا أحيانا أخرى، وخصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أحداث نهاية القرن 18 وما حملته من انبهار بالثورة الفرنسية وشعاراتها المغرية من جهة، وهزيمة المغاربة في معركة إسلي سنة 1845م التي اضطرت السلطة، ممثلة في السلطان عبد الرحمان بن هشام، إلى فتح جسور وقنوات الحوار والاتصال مع عاصمة الثورة الفرنسية لاكتشاف أسباب المدنية الأوروبية وقوة جيوشها ودقة تنظيمها.

كما أن ضياع تطوان واحتلالها من قبل إسبانيا كان له أثر قوي في تشكيل الوعي السياسي في المغرب الحديث، مما أذكى الرغبة في عقد معاهدات سياسية وإبرام اتفاقات تجارية بين مغرب ند إلى عهد قريب، وقوى غربية ناهضة تجتاح العالم لتوسيع دائرة نفوذها وتضخيم مخزون ثرواتها على حساب قوى ظلت تعيش على أمجاد الماضي ووهم القوة و الغلبة.

وتأتي المرحلة الخطيرة في تاريخ المغرب الحديث، إنها مرحلة التنافس الاستعماري وبسط السيطرة عليه، حيث لم تجد المناورات الدبلوماسية المغربية، وهي هدف أساس في السفارية المغربية، كما لم تجد محاولات الاطلاع على التقنيات والمخترعات الأوروبية الحديثة والعسكرية منها خاصة، لم تجد في ردم الهوة التي اتسعت كثيرا في غفلة من صناع الزمن المغربي في ذلك الوقت. ومهما يكن، فإن الفائدة العلمية في معرفة" الآخر" كانت حاضرة دوما، حيث تدلنا الفائدة العلمية للسفاريات على:

* إدراك خصائص ومعطيات الحالة المغربية بمجالاتها المتعددة خلال لحظات القوة والضعف والدهشة التي كانت فترات حاسمة في مستقبل المغرب لاحقا .

* معرفة السياقات التاريخية والحضارية للمغرب في زمن شكل نقطة تحول كبيرة وبارزة في مساراته المستقبلية.

* معرفة الشروط السياسية المحلية والدولية التي جعلت المغرب/الند يدخل في مشاريع الغرب التحديثية.

* معرفة شكل حضور"الآخر" في الوعي الثقافي المغربي الحديث والمعاصر.

* رصد اللحظات الفارقة في سيرورة الوعي بالذات من خلال السفارية المغربية التي شكلت ميدانا ثرا لتشكل هذا الوعي وتطوره في الآن نفسه، هذه اللحظات التي لخصها سعيد بنسعيد العلوي في:

" ـ اللحظة الأولى: لحظة القوة والثقة بالنفس(ق18 وما قبله).

  ـ اللحظة الثانية: لحظة الهزيمة والاكتشاف(ق19).

  ـ اللحظة الثالثة: لحظة الدهشة واستعادة الوعي(أواخر القرن19 وبداية القرن20).

إنها ثلاثية حاولت من خلالها استجلاء المكونات الرئيسية للذات في بحثها في" الآخر" ورسم صورته، وخاصة عند استشراء" القابلية للاستعمار"، حيث بلغت الحيرة وعدم التصديق بتخلفنا وتقدم الآخر ذروتهما، خاصة حينما فقد المغاربة استقلالهم ووضعوا تحت الحماية والسيادة المقيدة مع مطلع القرن العشرين.

إن السفاريات تعكس مختلف مجالات الحراك داخل المجتمع المغربي، حيث تتيح لمؤرخ الفكر التعرف على القضايا المنهجية والمعرفية التي عرفها المجتمع المغربي في علاقته بالاحتكاك بأروبا، هذه القضايا التي من تجلياتها ظهور الدعوة إلى التحديث في مجالات السياسة والفكر والاجتماع تحت ذريعة الاجتهاد في الدين وتجديد الفكر وكيفيات النظر.

 ولعل ذلك يعيدنا إلى إرهاصات علم الكلام الجديد الذي ظهر في بعض البلدان الإسلامية مع نهاية ق 19 وبداية العشرين،  ليعيد الإجابة على مجموعة من المعضلات التي طرأت على المجتمع الإسلامي إثر احتكاكه بالغرب، وربط الفكر الإسلامي بقضايا جديدة لم تألفها البيئة الإسلامية مثل الفنون والآداب الغربية، بالإضافة إلى بعض القضايا التنموية مثل التنظيم التجاري والإداري. وقد سعى بعض المغاربة السفراء إلى رسم صورة لأوروبا تتوافق مع ما يمكن اعتباره إرهاصات مشروع فكري اجتماعي اقتصادي، أي بدايات مشروع إصلاحي تجديدي كما حدث مع الفقيه محمد بن الحسن الحجوي (1874/1956).

والحقيقة أن كثيرا من الآراء التجديدية في مختلف المجالات ماهي إلا ثمرة لتأثير البيئة الغربية الغالبة بمنتوجاتها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية على السفير المغربي المغلوب. وإذا كان المغلوب مولعا دوما بتقليد الغالب، وفق القاعدة الخلدونية، فإن انقلابا وقع في النظرة إلى أوروبا ، بلغ بالبعض إلى درجة الشهادة السلبية على "الآخر" .

إنني سعيت، رغم قلة بضاعتي في الكتابة التاريخية، إلى (قراءة) السفاريات المغربية (قراءة) تتوخى تشخيص أعراض الأدواء التي أدت إلى (انقلاب الأحوال في المغرب) من ضياع للأمن واختلاف في النظام وفساد في الأخلاق-كما يقول الحجوي - قراءة تبرز خلفيات (الرؤية الجديدة للغرب) التي ادعت محاولة تطويق التداعي الحضاري المغربي أمام الهجمة الغربية (الشاملة) وإزالة دواعيه.

ثم نثير السؤال: هل استطاع المغرب - عبر سفرائه  ومبعوثيه - أن يحقق طموحاته في الاحتكاك بذلك (الغير المخالف في الملة والعقيدة والمتفوق الغازي بقوة علمه، ونظمه الصناعية والتجارية قبل أن يكون غازيا بقوة جيوشه وعساكره وأساطيله ) ؟؟

وهل استطاع العقل الفقهي أن يظل يقظا متحفزا للتدخل لإيجاد الأجوبة الملائمة على الأوضاع المختلفة الجديدة في ظل واقع يتميز بالضعف والانحطاط؟

وهل استطاعت السفاريات عموما الكشف عن الأسباب الخفية لتفوق أوروبا وتقدمها على مستوى النظام والعلم والتجارة و...؟ والكشف عن الأسباب الحقيقية لضعف المغرب و(انقلاب الأحوال) ؟.

وهل – حقيقة –إن القراءة لمظاهر القوة الأوروبية قراءة في أسباب ضعف المغرب وتأخره؟

وإلى أي حد استفاد المغرب من أوروبا (معدن المدنية العصرية والنظامات) ومن (أرباب الذوق الرفيع وأهل الأناقة والكياسة)؟

وهل حقا ما كان سببا في تفوق المسلمين بالأمس هو ما صنع قوة أوروبا وتفوقها في العصر الحديث والمعاصر؟

و في المقابل، ما هي مواصفات أوروبا (الأخرى) التي رفض الكثير من السفراء محاكاتها ؟

إذ إن الكثير من المغاربة السفراء رفض (كعبة الطائفين للتهتك لا التنسك، وركن التفرج والتفسخ لا التبرك، ومرسح - مسرح - التفنن في الأزياء الكثيرة والزخارف الوفيرة والرفه البارع والتهتك بدون وازع وترتيل آيات الملذات بالتجويد والمد والإشباع). كما رفضوا ما يخدش الحياء والمروءة.. ولاسيما حال (النساء اللواتي خلعن ربقة الحياء وتبرجهن تبرجا لا يتصور فوقه إلا فساد الحيوانات في الطرق جهرا، فهذا شيء أفسد الأخلاق ولا تستحسنه ولا يقول به طبع ولا عقل ولا شرع) [7].

 إنها أفكار وأسئلة طرحتها في هذا البحث الموسوم بــــ:

فقه التواصل الحضاري والظاهرة الاستغرابية

من خلال المتن السفاري المغربي

رصد تحليلي لقضايا النهضة والتحديث في المغرب المعاصر و الحديث

 

وتوزع البحث على بابين ومجموعة من الفصول والمباحث وفق ما يلي:

الباب الأول:مقدمات  نظرية  وتاريخية في التواصل الحضاري والظاهرة الاستغرابية

الفصل الأول:  في أدب الرحلة والرحلة السفارية

الفصل الثاني: فقه التواصل الحضاري والظاهرة الاستغرابية الحديثة والمعاصرة )مقـاربة مفهومية (

الفصل الثالث:  في تاريخ التواصل الحضاري الاسلامي الغربي الحديث والمعاصر

الفصل الرابع: سؤال النهضــة في المتن السفاري

الباب الثاني:جذور  الظاهرة الاستغرابية من خلال المتن السفاري المغربي

مقدمة: في مشروعية العودة إلى السفاريات؟

الفصل الأول: في ديبلوماسية الأسير في لحظات القوة المغربية

الفصل الثاني: في قصة الظاهرة الاستغرابية المغربية

الفصل الثالث:  في حركة التحديث في الفكر السفاري المغربي

الفصل الرابع: رحلة الاصلاح والتحديث: من الفقيه إلى المثقف

                      من الصدمة الحضارية إلى الإفاقة المعرفية في الكتابة السفارية

الفصل الخامس: من قضايا التحديث في الفكر السفاري المغربي

الفصل السادس: في بعض خلاصات الظاهرة الاستغرابية

                          الرحلة السفارية: متن واحد بأقلام متعددة

خـاتمــة

 

 وبعد:

فإن هذا البحث محاولة سعي إلى إبراز صلة الرحلة، باعتبارها تراثا إنسانيا، بالكشف الحضاري والنظر في الدوافع والنتائج وتقييم الرحلات السفارية المغربية وإبراز فاعليتها في التأسيس للظاهرة الاستغرابية المغربية الحديثة والمعاصرة .

ومما يمكن تسجيله من ملاحظات على تصورات مؤلفي هذه الرحلات:

* بالرغم مما يمكن أن يلاحظه قارئ هذه النصوص من تباين في دقة الأوصاف وحجم المعلومات التي نقلوها إلى الدوائر المخزنية، ومستوى إدراك مظاهر التقدم الأوربي وتفسير أسسه ومقوماته، فإنه يجوز اعتبار هذه النصوص نصا واحدا كتب بعناوين مختلفة بالنظر إلى أن الأفكار المعبر عنها تشترك في كونها تعكس رؤية واحدة للكون لدى أصحابها، رؤية الكون المنشطر إلى دار إسلام ودار حرب.

* حرص مؤلفي هذه الرحلات على تقديم صورة تكاد تكون شاملة ومفصلة عن مختلف جوانب الحياة الأوربية حيث اهتمت أوصافهم بالتعريف بأهم منجزات التقدم التقني وخصائص العمران، كما اعتنت برصد أوجه النشاط السياسي كحديثهم عن المؤسسات السياسية القائمة ووظائفها واختصاصاتها، وعن تشريع القوانين ودور الصحافة أو كما سماها أحدهم "الأوراق اليومية"، كما أولوا اهتماما للتنظيمات الاقتصادية والتكنولوجية ودور الدولة في الحياة الاقتصادية وعلاقتها بالطبقة البورجوازية، دون أن ينسوا نقل بعض المعطيات عن النشاط العلمي ومؤسساته ودوره في تحريك اقتصاد البلاد. كما لم يفتهم تسجيل ارتساماتهم عن الأخلاق والعادات الاجتماعية التي كانت تسود الأوساط الغربية، على أن ما استرعى انتباههم أكثر هو كل ما يرتبط بالمجال العسكري حيث أسهبوا في وصف مؤسسة الجيش، ومكوناتها وتنظيماتها وقوانينها وأساليب تكوين الوحدات العسكرية، وإذا كانت هذه المعلومات المتنوعة قد وردت متناثرة ومتفرقة لا يضبطها ناظم منهجي، فإنه بوسع الدارس أن يلم شتاتها ويركبها في بناء متكامل يطال المسألة العسكرية والسياسية والتكنولوجية والاقتصادية والثقافية.

* لقد ظل الفكر الإصلاحي المغربي أسير الحداثة الغربية والمرجعية السلفية، محاولا التوفيق بينهما تارة والتلفيق بينهما تارة أخرى؛ مما أوقعه ذلك في النكوص والمثالية والإيديولوجية أحيانا، والانفصام المزدوج بين الذات والواقع، وبين الذات والسلطة أحيانا أخرى، ولاسيما أن المخزن المغربي ظل يتجاهل الاستجابة للمتغيرات الحضارية والانصياع لتحولات التحديث، وقد سبب ذلك شرخا وهوة فاصلة بين النخبة العالمة التي تعيش في واد، وسلطة تقبع في مناصبها السامية وهيبتها العالية و تعيش في واد آخر، كما أن التنظير وصياغة الشعارات الفكرية الاجتهادية لدى الإصلاحية المغربية تحولت فيما بعد إلى أفكار أيديولوجية تبحث عن السلطة عبر قنوات جديدة جلبتها من الغرب، قنوات حزبية كرست حالة الماضي أو اهتمت بإصلاحية شكلانية مازال المغرب يعاني منها حتى اليوم.

من جهة أخرى:

إن النصوص التي اخترتها لأوضح بعض الخصوصيات التي ميزت تاريخ المغرب وثقافته وفكره إثر  تحولاته الكبرى هي أهم ما يمكن أن ينقل أقرب صورة صادقة عما كان يجري من عمليات تحديثية ستؤسس لمغرب ليوم.

لكن ماذا تحقق من ذلك المشروع السفاري الذي شكل رافدا رئيسيا في نشوء الظاهرة الاستغرابية المغربية الحديثة والمعاصرة؟ 

إنه السؤال العريض الذي حاول هذا البحث الاقتراب من الاجابة عنه عبر الأبواب والفصول والمباحث، التي جمعت أوصال محاور ثلاثة شكلت انشغالات علاقة المغرب بالغرب  من خلال الرحلات السفارية المغربية:

*المرجعية الاسلامية التي ظلت حاضرة في كل المتون السفارية.

* إشكالية التقدم والتأخر على المستوى الاجتماعي .

* رغائب التنظيمات والقوانين وغرائب اختراعات التقنية.

من خلال هذا المنظور، ليست هذه النصوص تقارير واستطلاعات أو حتى مجرد سرد رحلي، إنها نصوص أدبية وفكرية تقدم معرفة عن الذات والآخر والعالم المعاصر والمادي والروحي. ولذلك، فهي تدافع عن هوية ثقافية وتقترح ما تراه مناسبا من أجل التقدم والتطوّر السياسي والاجتماعي والعسكري والاقتصادي. ولذلك، فإن نهضة الأمة لا يمكن أن تستقيم إلا على قواعد سياسية واقتصادية و... من هنا كان انتباه هذه الرحلات السفارية إلى إيجاد العلاقة الضرورية بين الفكر والمعرفة في حدود معينة، وبهذا يمكن إصلاح نظام الحكم والخروج من دائرة الانحطاط إلى دائرة الرقي والتحديث.

 وأخيرا:

فإننا نستنتج من موضوع الظاهرة الاستغرابية، من خلال المتن السفاري المغربي الذي عرضناه في هذا البحث، مجموعة من الاستنتاجات يمكن تلخيصها كما يلي:

* استمرار تأثير الثقافة الاسلامية في عقلية ووجدان النخبة المغربية، مخزنا وعلماء، وفي الفكر السفاري خصوصا.

* الوعي بضعف الأمة عسكريا واقتصاديا نتيجة ظروف اجتماعية وتاريخية معينة. ولذلك، انفتحت هذه النصوص السفارية على معادلة وجودية صعبة: تأكيد حاجة المجتمع إلى فكر إصلاحي يستفيد من مختلف عطاءات الغرب، وحاجته للإبقاء على استقلاليته وهويته.

* الوعي بضعف الأمة تقنيا وعلميا وتبرير الاستفادة من مختلف اختراعات الغرب بما يوافق مقتضيات الشرع والواقع.

    * لعلّ أكبر رهان تحكّم في حضور المرجعية الثقافية والفكرية العامة لهذه الرحلات السفارية، على اختلاف أزمنتها وأمكنتها، هو هذه المفارقة: كيف المحافظة على الهوية والاستفادة في الآن ذاته من تقدّم الغرب ؟ 


ومجمل القول:

إذا تأملنا المتن الرحلي السفاري المغربي، نلاحظ أنه يكاد يكون نصا واحدا بأقلام متعددة وفي فترات مختلفة وظروف سياسية محلية ودولية متنوعة، فالهموم ذاتها، والتعجب والانبهار ذاته، والإبقاء على الصلات بالمرجعية الاسلامية متينة، والسعي للأخذ عن الغرب بشكل موزون سمة بارزة.

وفي الأخير:

إن هذا البحث هو أول مغامرة لي في الكتابة التاريخية التي لم يسبق لي عهد بها، كانت دافعي للخوض فيها رغبتي في إطلالة علمية على مجال البحث التاريخي من جهة، وتحسس المفاصل الفكرية والثقافية لفترة حساسة من تاريخ المغرب الحديث والمعاصر من جهة أخرى.

وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن اقترابي من محاور هذا البحث كان أقرب إلى المقاربة الفكرية منه إلى المقاربة التاريخية، لخصوصية الموضوع الذي يركز على الظواهر الفكرية وتاريخ الأفكار أكثر من التركيز على تاريخ الأحداث والوقائع التاريخية، وإن كان هناك ارتباط وثيق بين الفكرة ومحيطها التاريخي واللحظة التاريخية التي ولدت فيها.

إنها محاولة تأريخ تطور العقلية المغربية - على مستوى السلطة والنخبة معا- إبان احتكاكها بالتجربة الحضارية الأوروبية ورصد مدى التحولات الثقافية والفكرية التي حدثت بعد ذلك على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، تحولات ستنتهي ببناء الدولة المغربية المعاصرة على الشاكلة الأوروبية، وإن كان ذلك على مستوى الأشكال فقط، إذ إن سؤال الحداثة والتقليد[8] والأصالة والمعاصرة ما زال يراوح مكانه، وإن التنظيمات السياسية والادارية مازالت بعيدة عن جوهر مثيلاتها الغربية.

ولعل منحى التأريخ للأفكار لا للوقائع والأحداث الذي اتبعته مما قد يشفع في ما اعترى هذا البحث من ضعف في المنهج العلمي في البحث التاريخي الصارم، إذ لايمكن أن أنكر الفضل الكبير لأستاذي الدكتور محمد منفعة حفظه الله الذي قبل الاشراف على هذا البحث رغم معرفته بضمور تجربتي في مجال البحث التاريخي، فقد رعى هذه المغامرة حتى استوت على هذه الشاكلة.

 

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

 

وبالله التوفيق

 

 محمد البنعيادي

فاس في  01 يونيو 2009



 - [1]سورة الحجرات: 12.

[2] "صورة الآخر في أدب الرحلة المغربية"، سعيد بنسعيد العلوي، باحثات(سلسلة)، الكتاب رقم 5/98-1999، كتاب متخصص يصدر عن تجمع الباحثات اللبنانيات، ص124

[3] نفسه

[4] صورة الآخر في أدب الرحلة المغربية: سعيد بن سعيد العلوي، ص:115

[5] نماذج من المصادر الرئيسية لتاريخ الدولة العلوية: محمد المنوني، مجلة دعوة الحق، السنة 31، العدد الأول: 1990م، ص49

[6] تصورات مغربية للمدنية الأوربية من خلال الرحلات السفارية: جمال حيمر، موقع سعيد بنكراد

[7] أوروبــا في مرآة الرحلة، سعيد بنسعيد العلوي، ص:83-84، والكلام للحجوي في الرحلة الأوروبية

[8] انظر مثلا: صراع الحداثة والتقليد، معيقات التحول الليبرالي بالمغرب، فريد لمريني، منشورات دفاتر وجهة نظر، ط 1/2006