من القـرن الأول إلـى تـقـريـر عـن أطـروحة لنيـل دكـتـوراه الـدولـة في الآداب

وحدة البحث والتكـوين :

لسـانيات عـربـية

" الأسـس الـمعـرفية والمنهجية للخطـاب النحوي العربي   الخامس الهجريين"

وبـعـد ،

      فإن أولى ما تجنح إلى تحصيله الهمم العالية ، وأحق ما وجب صرف الجهود لدركه والأخذ بعنانه ما كان من العلوم أصلا لغيره ، وما يستند تحقق المعارف إليه ، وذلك هو علم النحو ، أب العلوم الشرعية ، والأصل الذي تفرعت عنه البقية .

      فقد اعتبر النحو العربي من أهم علوم الإسلام وأكثرها تعبيرا عن قدرة القدماء المعرفية ومنهجهم في النظر والبحث العلميين . إذ له الأسبقية ، قبل غيره ، في استكشاف أسرار العربية ومعالجة النصوص الشرعية ، بغية توظيفها في واقع المجتمع الناشئ . لذا ، فإن معالجة خطاب النحاة والكشف عن أسسه الدراسية يراد منها معرفة الهيكل العام لعلوم البيان المختلفة من فقه وحديث وأصول وكلام وتفسير... باعتبار النحو ميدانا تتداخل فيه مناهج العلوم المختلفة .

      وقد وضع النحاة لخطابهم تصورا علميا مضبوطا ، قام في البداية على جمع معطيات الدراسة من أفواه الأعراب الفصحاء ، زيادة على النصوص الشرعية ، فاستطاعوا بذلك أن يرسموا حدودا زمانية ومكانية للفصاحة ، حفاظا على نقاء العربية وإعجازها ، لأنها ليست لغة عادية للتواصل ، بل تحمل في ثناياها سمات التقديس والسمو ، فكانت معجزة العرب التي لا تضاهى .

ولم يقف عمل النحاة عند مرحلة تشكيل المادة ، بل انتقلوا إلى مستوى الدراسة ، فصاغوا جهازا نظريا مكنهم من تصنيف المجموع إلى مستويات دراسية ، وفي كل مستوى نجد العديد من الأدوات الإجرائية التي مارست التقطيع والترتيب على المادة المدروسة . فكانت النتيجة هي هذا التراث الضخم الذي يملأ الخزانات والمكتبات ، والذي استطاع النفاذ إلى كل علوم العربية : من تفسير وفقه وأصول ومنطق وفلسفة... وغيرها ، حتى أمكننا القول بأن الحديث عن العربية لا يتأتى دون الاستناد إلى تراث النحاة واجتهاداتهم الفريدة .

      ولقد طفق قوم يؤلفون في النحو العربي ، وفي أصوله وقواعده ، بحثا إما عن تجديده ، وإما عن تأصيل لبعض الآراء اللسانية الحديثة . فانصب اهتمامهم على القواعد الجزئية والآراء المدرسية التطبيقية ، دون البحث في الأصول المعرفية وأسس التنظير النحوي . مع أن ولوج عالم الخطاب النحوي وفهم أغراض النحاة من قواعدهم لا يتم إلا من باب التنظير .

     وقد كان أكبر أمنيتي منذ أمد ليس بالقصير ، أن أجلي أغوار هذا المخزون التراثي البديع . غير أن ركوب هذا المتن صعب على ضعاف الزاد مثلي ، خاصة أن مثل هذا العمل ، الذي يجمع النحو من أطرافه ، يحتاج إلى إحاطة واعية بآراء النحاة واللغويين والمفسرين والمتكلمين والبلاغيين وباقي علماء العربية في قضايا اللغة ، مع التوفر على حظ غير يسير من الاجتهادات اللسانية المعاصرة . لكن كل هذا لم يثنني عن ولوج عالم الخطاب النحوي العربي بغية ضبط أهم معالمه النظرية والمنهجية .

      ولم يكن اهتمامي بهذا الموضوع وليد اللحظة . فقد أفنيت زمنا من حياتي العلمية في تلمس خيوط التفكير النحوي القديم . إذ أنجزت بحث الإجازة في موضوع :

"الوسائل الإجرائية للخلاف النحوي بين البصريين والكوفيين من خلال  الإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري "

وكان موضوع رسالة دبلوم الدراسات العليا هو :

" التركيب عند أبي حيان الأندلسي من خلال ارتشاف الضرب من لسان العرب "

وقد أتاحت لي هذه البحوث التطبيقية الفرصة للإحاطة بقضايا النحو العربي ومستوياته الدراسية. وبعد هذا ارتأيت أن انتقل إلى مرحلة أكثر شمولية في محاولة للجمع بين التنظير والتطبيق فخصصت أطروحة الدكتوراه لموضوع :

"الأسس المعرفية والمنهجية للخطاب النحوي العربي من القرن الأول إلى  الخامس الهجريين " 

وأستطيع أن أوجز أهم الأسباب التي دعتني لاختيار هذا الموضوع فيما يلي :

ـ أولا : خلق حوار جاد مع النصوص النحوية القديمة ، بعيدا  عن إجحاف الوعي الإسقاطي الذي يستهدف تقديم  وصف للغة العربية اعتمادا على النماذج اللسانية الحديثة ، وضيق المنهج التراثي الذي يتناول الموروث النحوي شارحا له وأحيانا مقارنا له بالآراء المعاصرة . إذ إن بناء درس لساني عربي  حديث يفرض علينا معرفة حدود الخطاب النحوي القديم ، وكيفية تناوله لقضايا اللغة العربية ، حتى لا يكون عملنا تكرارا لأسئلة مستهلكة ، وإنما نقوم باستحداث أسئلة جديدة تواكب الاجتهادات اللسانية المعاصرة .

ـ ثـانـيـا : إعادة الاعتبار لمستوى التنظير في معالجة القدماء للغة العربية . فقد انهمك الدارسون المحدثون في المكونات التفصيلية للبحث النحوي دون النفاذ إلى أصولها النظرية التي قامت عليها . لذا يروم بحثنا وصل القاعدة النحوية بأسسها العقدية والمنهجية ، وذلك بالجمع بين مستويين من مستويات التقعيد : نظري وتطبيقي .

ـ ثـالـثـا : محاولة الخروج بتصور واضح عن حدود النظرية النحوية العربية وفق رؤية موضوعية لا تخل بالإطار المعرفي للمقولات النحوية ، ولا تحاكمها انطلاقا من مناهج البحث الحديثة ، وإنما تقدمها كما تصورها أصحابها وأرادوا لها أن تكون . لذلك كان السؤال المركزي الذي حاولنا الإجابة عنه هو : ما هي الأسس النظرية والمنهجية للخطاب النحوي العربي ؟

ـ رابـعـا : البحث عن الأغراض المضمرة وراء قول النحاة . وتتجلى هذه الأغراض في الصورة التي تظهر من خلالها العربية في البحوث النحوية ، والخصائص المنسوبة للآلة النحوية ، في انسجام وتوافق مع منطق البحث الإسلامي .

ـ خامسا : محاولة استكشاف أصول الخطاب في بداياته الإبداعية كما مثلتها كتابات سيبويه والمبرد والزجاج وباقي نحاة القرون الخمسة الأولى ، قبل شكلنة النحو على يد النحاة المتأخرين

ـ سادسا : إعادة قراءة التراث السيبويهي واستكناه معالمه حتى تتضح لنا صورة النحو العربي كما أراد له مهندس قرآنه وواضع أصوله .

      هذه الأسباب وغيرها دفعتني إلى الخوض في دراسة أسس الخطاب النحوي العربي . وقد اقتضت طبيعة هذا البحث أن تكون الدراسة على مقدمة ومدخل عام وثلاثة أبواب وخاتمة .

فقد جعلت الـمـدخـل الـعـام ممهدا لما سيأتي في الأبواب الثلاثة ، حيث بينت فيه مقصودنا بالخطاب النحوي والعلة وراء حصر البحث في القرون الخمسة الأولى لظهوره .

الـبـاب الأول : مفاهيم النحو واللغة في الخطاب النحوي العربي .

وقد قسمته إلى ثلاثة فصول :

الفصل الأول : مفاهيم أساسية في تعريف النحو .

وقد جزأته إلى خمسة مباحث .

ففي المبحث الأول وقفت عند دلالة النحو عند النحاة الأوائل .

وفي المباحث الأخرى وقفت عند أربعة مفاهيم مؤسسة لدلالة النحو هي : التربية اللغوية والفصاحة والشمول الدراسي والمعيارية العلمية .

الفصل الثاني : مفهوم اللغة ودورها التواصلي .

حاولت فيه توضيح مظاهرها الأساسية في حدود القدماء وأجملناها في ثلاثة : المظهر الصوتي الفيزيائي ، والمظهر الإنساني الجماعي ، والمظهر الوظيفي البياني . وقد جعلت كلا منها في مبحث خاص .

الفصل الثالث :  سمات اللغة العربية في الخطاب النحوي العربي .

قدمت له بتمهيد أوضحت فيه التمييز المنهجي بين النحو واللغة في البحث النحوي القديم . وحاولت خلاله ضبط سمات العربية المتحدث عنها في الكتابة النحوية ، وحددتها في خاصيتين : قدسية اللغة وحكمة المتكلم العربي . محللا كلا منها في مبحث خاص.

الباب الثاني : الأصول النظرية والمنهجية للخطاب النحوي العربي .

وقد أتى مقسما إلى فصلين .

الفصل الأول : تأسيس الخطاب النحوي العربي ونمذجته السيبويهية  .

وقسمته إلى مبحثين :

حاولت في المبحث الأول تحديد العامل الأساسي وراء ظهور النحو العربي والذي سيصوغ وظيفته طيلة تاريخه .

وتفرد المبحث الثاني بتبيان نمذجة سيبويه للخطاب النحوي ، ومداخل الدراسة في الكتاب .

وفي الفصل الثاني تركز الاهتمام على تحديد سمات المنهج النحوي من خلال ضبط علاقته بالمنطق الأرسطي . وقد فصلت القول فيه في مبحثين .

حيث تناول المبحث الأول مظاهر العلاقة التي تجمع المنطق بالخطاب النحوي متسائلا عن حقيقة وجود تأثير أرسطي على منهج النحاة العرب .

وفي المبحث الثاني تحدثت عن خاصيات المنهج النحوي التي حددتها في ثلاثة هي : الآلية والصناعية والكفاية التفسيرية .

وعني الفصل الثالث بأصول الاستدلال لدى النحاة العرب .

وقد قسمته إلى تمهيد ومبحثين .

ففي التمهيد أبرزت الوحدة المنهجية التي تجمع النحو بعلوم البيان الأخرى على صعيد الأصول الاستدلالية التي قسمتها إلى : نصية واجتهادية . وخصصت لكل منها مبحثا منفردا .

أما الباب الثالث والأخير فقد تفرد بالجانب التطبيقي من البحث ، حيث تناول مستويات الخطاب النحوي العربي .

وقد حوى تمهيدا وفصلان .

ففي التمهيد أوضحت الشكل التصنيفي لقضايا اللغة العربية إلى مستويين وفق الوضع الذي تتخذه الكلمة . وقد خص كل مستوى بفصل منفرد .

حيث اهتم الفصل الأول بالمستوى المقولي الإفرادي .

وقد تضمن تمهيدا وثلاثة مباحث .

ففي التمهيد تناولت أهمية الكلمة  المفردة في التصنيف النحوي القديم .

وتميز المبحث الأول بتوضيح أقسام الكلمة العربية وسماتها وحدودها .

وفي المبحث الثاني تركز الاهتمام على التنظيم الصوتي للكلمة العربية من خلال إجراءي التقطيع والتأليف .

وتناول المبحث الثالث قواعد بناء الكلمة في الصرف العربي مبرزا مفهوم التصريف وبنيات الكلمة العربية.

أما الفصل الثاني فقد عني بتوضيح مستوى التركيب الإسنادي .

وقد قسمته إلى تمهيد وثلاثة مباحث .

حيث خصصت التمهيد لتوضيح مفهوم التركيب الإسنادي .

وتناول المبحث الأول مفهوم الجملة وأقسامها .

واختص المبحث الثاني بوضع الجملة العربية في نظام الأصل و الفرع وإبراز التحويلات التي تعرض لها التراكيب .

وفي المبحث الثالث انصب الاهتمام على التركيب العاملي محددا قواعده ومكوناته وأصناف العوامل .

و ضمنت خاتمة البحث النتائج الأساسية التي خرجت بها من هذه الفصول والأبواب .

 

      وقد احتاجت معالجة هذه القضايا المتعددة مناقشة نصوص القدماء المنتمين إلى عصر الإبداع مناقشة دقيقة ومتأنية حتى أتمكن من الإحاطة الواعية بأسس الخطاب النحوي العربي في مستوييه النظري والتطبيقي . وقد ألجأ أحيانا إلى مقارنتها ببعض الآراء المتأخرة أو الحديثة بحثا عن معايير الاجتهاد النحوي عند مؤسسي النحو العربي . واقتضت طبيعة البحث هذه الوصل بين التنوع المنهجي في علوم العربية بغية خلق حوار معرفي بين  الموروث اللغوي والأبحاث المعاصرة . لذلك تنوعت مصادر البحث بين قديم وحديث ، وفي القديم بين اللغة والبلاغة والنحو والتفسير والفلسفة والأصول والكلام . ويخدم هذا التعدد فكرة مركزية انطلق منها هذا البحث هي التكامل بين علوم الإسلام المختلفة .

وقد استطاع هذا البحث أن يخلص إلى جملة من النتائج التي نعرضها على هذا النحو :

ـ أولا : إن كل محاولة تروم استكناه أسس النظر النحوي العربي ينبغي أن تركز جل اهتمامها على مرحلة الإبداع التي حددناها في القرون الخمسة الأولى قبل بداية عصر الشروح والحواشي. حيث ترشح كتابات الأوائل بالعديد من المفاهيم والأسس النظرية والمنهجية التي تبين الغايات المبدئية من النحو وكيفية صياغته للقاعدة ورؤيته للسلوك اللغوي.

ـ ثانيا : إذا كان الإشكال المؤسس للمشروع التوليدي يتعلق بطبيعة المعرفة اللغوية وطرقها الإنتاجية ، فإن الإشكال الذي شغل أذهان النحاة العرب كان تربويا في جوهره . حيث حددت وظيفة النحو الأساسية في نقل المتلقي ، عربيا كان أو أعجميا ، إلى مستوى سمت كلام الأعرابي الفصيح عبر أسلوب المحاكاة والإلحاق . أي أن غاية النحو هي ضبط الأحداث اللغوية وفق أحكام النصوص المروية عن المتكلم المثالي ابن البيداء ، فيغدو السلوك اللساني محدد سلفا. وهذا يرجعنا إلى فكرة كمال النص اللغوي قياسا على كمال النص الشرعي الذي يؤطر السلوك الإنساني في جملته .

ـ ثـالـثـا : يقوم خطاب النحاة العرب في جزء كبير منه على معالجة القدرة اللغوية عند المتكلم العربي الفصيح من خلال الكشف عن مقاصده في التأليف وتعليلاته لهيئات النطق . فلقد ساد الاعتقاد لدى النحاة العرب أن عملهم مجرد اكتشاف للأصول القائمة في ذهن المتكلم العربي التي هي أصول تفسيرية تمثل الاعتلالات التي قصدها أثناء التواصل . وهذا يؤكد التوازي والتطابق بين نحو العربية التي نتكلمها وأغراض الأعراب الذين أخذت عنهم اللغة .

ـ رابـعـا : صاغ الخطاب النحوي ، في زمن الإبداع ، لنفسه منهجا قائما على شموليته لكل مستويات الدرس اللغوي المختلفة ، انسجاما مع طابعه الغائي . بحيث ظل النحو طيلة قرون إنتاجه عبارة عن علم يتجه إلى تقديم القواعد الممثلة لمنهج كلام العرب في مختلف ضروب تصرفه الصوتية والصرفية والتركيبية .

ـ خـامـسـا : لقد اعتبر الخطاب النحوي العربي أن اللغة العربية لغة مقدسة لارتباطها بالنص القرآني ، مما جعلها مميزة ومفضلة على باقي اللغات الطبيعية . فهي ليست لغة عادية للتواصل بين الناس ، بل لها من المميزات والخصائص ما جعلها تحظى بالتشريف الرباني واعتبارها القالب اللساني لاستيعاب كلام الله تعالى . كما أن المتكلم العربي ليس متكلما عاديا يستعمل لسانا طبيعيا ، بل اعتبر في فهم النحاة متكلما مثاليا عالما بأغراض الكلام ، وحكيما منزها عن التساوي بباقي مستعملي الألسن الطبيعية . إذ كان الأعراب عالمين بمناط التقعيد وكيفية صياغة قوانين الكلام وليسوا مجرد مستعملين للغة ورثوها طبعا أو تلقينا .

ـ سـادسـا : انعكس المظهر العقدي للعربية على دراستها . حيث سيطر شكل تعامل المسلمين مع نصوص القرآن والسنة على تعامل النحاة مع النصوص اللغوية ، سواء في طرق نقلها وروايتها التي تماثلت (طرق التحمل والأخذ ، شروط الراوي...) ، أو في أشكال دراستها التي تشابهت (الاستنباط بنوعيه : استنباط حكم واستنباط فهم) .

ـ سـابـعـا : إذا كانت جل الدراسات التي تناولت النحو العربي تركز على التأثير المتصور للمنطق الأرسطي على منهج النحاة وسبل صياغتهم لقواعد العربية ، فإن التحليل السليم هو الذي يبحث عن مختلف المكونات الداخلية و الخارجية التي ساهمت في تشكيل الخطاب النحوي العربي . وقد حددناها في خمسة هي : العربي والإسلامي واليوناني والهندي والفارسي . ولكل منها حضوره الخاص الذي وسم بحث النحاة دون أن يعني ذلك غلبة أحدهم على الآخر . وتتجلى خصوصية النحوي في قدرته على الاستفادة من كل هذه العناصر لخلق جهاز مفهومي متكامل .

ـ ثـامـنـا : لقد نظر إلى العلاقة بين المنطق و الخطاب النحوي في التراث العربي من خلال زاويتين : زاوية التكامل العلمي لدى نقلة الفلسفة اليونانية ، وزاوية الاستغناء والاستبدال لدى نحاة العربية الذين رأوا في علمهم كمالا منهجيا لا يحتاج معه إلى آلة دراسية أخرى . ومن ثم اعتبر النحو علم العلوم كلها ، أو هو أورجانون العربية .

ـ تـاسـعـا : لقد أدرج النحو في قائمة علوم الآلة التي لا يتوسع في الأخذ منها إلا بقدر الحاجة ، لأنها ذات طبيعة "خدمية " تفيد في إمداد علوم المقاصد كالتفسير والفقه والفلسفة بوسائل البحث والمعالجة . وترتبط آلية النحو بإجرائيته في معالجة النصوص الشرعية .

ـ عـاشـرا : إذا كان كل علم ينتج لنفسه لغة خاصة تعالج قضاياه انطلاقا من أبجدية متعارف عليها بين أهله ، فإن النحاة قد صاغوا لغتهم المثالية وفق اعتبارين : صناعي وطبيعي . فباعتباره علما يجرد المعطيات اللغوية ويصوغها في قواعد صورية تقنن الاستعمال كان الخطاب النحوي خطابا صناعيا تقنيا ، يبرز على الخصوص في لغته العاملية . لكن باعتباره خطابا يعالج آخر مستمدا لغته من مادة دراسته ، كان خطابا طبيعيا .

ـ حـادي عـشـر : من أهم مظاهر التوافق والتكامل بين علوم النظام الإسلامي استعمالها لنفس الأصول الاستدلالية . حيث نجد أن كل من تصدى للتأليف في أصول النحو لم يكن إلا مقتبسا للهيكلة المعتمدة في أصول الكلام والفقه ، التي تعود في جوهرها إلى أصلين اثنين : نصي (القرآن و الحديث وكلام الأعراب) ، وعقلي (الإجماع والقياس) .

ـ ثـانـي عـشـر : ركزت روايات نشأة النحو على كون محاربة اللحن هي أهم العوامل الداعية لنشأة الخطاب النحوي . لكنا أثبتنا خلال هذا البحث ارتباط ظهور الدرس النحوي بدوره في تفسير النص القرآني . حيث كانت رغبة السلطة السياسية هي خلق أداة لتفسير القرآن تمتاز بحيادها وصناعيتها ، مما يجعلها لا تدخل في متاهات التأويل المتاح لمعارف الكلام والفقه والفلسفة .

ـ ثـالـث عـشـر : شكل كتاب سيبويه الصورة النموذجية التي اكتمل فيها نسق الخطاب النحوي ، مما جعل مقدماته تحدد مجال البحث لدى النحاة الذين أتوا بعده . بل تجاوز تأثيره إلى علوم البيان الأخرى ، حيث اعتبر مرجعا أساسيا في الإفتاء واستخراج أحكام الشرع . لذا تفترض قراءته التمييز بين ثلاثة مستويات للتحليل اللغوي : الوصف والتقعيد والتنظير .

ـ رابـع عـشـر : أبانت محاولة المبرد في (المقتضب) حين أدرج الحديث عن الكلمة في الجزء الأول ، أن رؤية القدماء لمستويات الخطاب النحوي ، بالرغم من الاضطراب الظاهر ، تنطلق من أبسط الأجزاء (الأصوات أو الحروف ) إلى أكبرها (الجملة) وفق رؤية تأليفية تعتمد وضع الكلمة معيارا للتمييز . وهكذا تم الفصل بين مستويين مستوى إفرادي يتعلق بالكلمة حال إفرادها وعناصرها البنيوية ، ومستوى تركيبي يتعلق بالكلمات حال تأليفها مع غيرها لداء فائدة معينة .

ـ خـامـس عـشـر : تتميز الدراسة الصوتية العربية بميزتين أساسيتين هما : الإفراد ، حيث حصر النحاة مجالهم الدراسي في الكلمة ومكوناتها ، والخطية ، حيث انحصر عملهم  في مجال الحروف وتم تهميش الظواهر التطريزية كالنبر والتنغيم . وقد بنى القدماء بحثهم الصوتي على وسيلتين أساسيتين : التقطيع ، حيث حددت قائمة الحروف وترتيبها وسماتها ، والتأليف من خلال ضبط قواعد الاقتران بين أصوات العربية .

ـ سـادس عـشـر : تقوم هندسة الصرف العربي على الانتقال المباشر من الصوت إلى الكلمة دون استحضار لمستوى أو مستويات فاصلة بينهما . لذا غاب عن أذهان القدماء مجموعة من المكونات الفونولوجية التي ركز عليها الدرس اللساني المعاصر ، خاصة المقطع .

ـ سـابـع عـشـر : يقوم التحليل النحوي للجملة العربية على ثلاثة مستويات : المستوى العاملي الذي تحدد أدواته سلمية الإعراب وتضبط العلاقات الوظيفية بين مكوناته ، والمستوى الدلالي حيث نجد المعنى حاضرا في رسم حدود الجملة وتقييد تركيبها وتحويلاتها بوضوح الفائدة ، والمستوى التنظيمي الذي يدرج الجمل في نظام الأصل و الفرع ويضبط التحويلات المختلفة . وبهذا لم يكن النحو العربي عامليا في كليته بل اهتم كذلك بقضايا التنظيم و الدلالة .

ـ ثـامـن عـشـر : أثبتت مباحث النظرية العاملية وجود أنواع من التركيب تتداخل فيها خصائص التركيبين الاسمي والفعلي . فجملة الفعل الناقص(كان) أخذت من الأول علاقة التلازم بين المكونين الاسميين ، و من الثاني طبيعتها الفعلية بما فيها من إسناد وعمل .

        هذه إذن بعض النتائج التي خرجنا بها من معالجتنا للخطاب النحوي العربي . وقد توخينا فيها الإيجاز ما أمكن ، لأنها كثيرة ومتعددة بتعدد الأسئلة المتناولة وشساعة الموضوع الذي حاول أن يلم بالنحو من أطرافه .

       وإنها لعقبات جلى اعترضت سبيلي وأنا ماض في الموضوع باحثا ، ولكن الله سلم فقد سهل علي سبحانه وتعالى اقتحام هذه العقبات ، فإنه عز وجل يجعل الحزن إن شاء سهلا .

       وعلى كل فلا أزعم أني أتيت بالشيء الذي لم تجد به القرائح ، إنما هي محاولة من طالب علم يرجو رحمة ربه ، ويسأل الحق سبحانه  المغفرة فيما طغى به القلم ، أو زلت به القدم . فما كان مما أوردته في هذا البحث من سداد وصواب ، فقد أدركت بغيتي وذلك بتوفيق الله وتسديده ، وإن كان غير ذلك فما عن قصد كان ، ولن أستنكف أن تُصَحَحَ هَنَاتي والله حسبي وهو نعم الوكيل .

      ولا يفوتني إذ أختتم هذا التقرير أن أتوجه بالشكر الجزيل والثناء الحسن الجميل لكل من ساهم من قريب أو بعيد في إنجاز هذا البحث حتى استوى على هذه الصورة  . وأخص بالذكر أستاذي الفاضل الدكتور عبد العزيز حليلي الذي نفعني الله بصحبته ، فقد سهل علي ما توعر وذلل لي الصعاب و ساعدني على اقتحام العقبات بحسن معشره وتوجيهاته السديدة . فجزاه الله خيرا على إحسانه وإتقانه لعمله وأطال عمره في طاعته .

    كما أتقدم بالشكر الجزيل لأستاذي الجليل الحسين كنوان الذي أضاء لي طريق البحث منذ الإجازة وتعهدني بالرعاية والتوجيه . فكان لي نعم الأستاذ و نعم الموجه .

    كما أتقدم بالثناء الجزيل للأساتذة أعضاء لجنة المناقشة المبجلين  : فضيلة الدكتور رشيد بلحبيب وفضيلة الدكتور عبد الرحيم بودلال وفضيلة الدكتور عبد الجبار الحمومي ، على صبرهم ومصابرتهم في قراءة هذا العمل المتواضع .

وأود أن أسجل بالعرفان و التقدير الشكر العميق لكلية الآداب بوجدة ممثلة في قيدومها وإدارييها وطلبتها على الحفاوة والترحاب الذي لقيته طيلة هذا البحث .

وختاما ، فلا أدعي أنني أتيت بالشيء الخارق ، ولكنها محاولة قمت بها ، وليكن لي منها قناعتي بأنها محاولة آمل أن تردف ما قدمه باحثون آخرون في ميدان اللغويلات العربية وأن تفتح أمامي أبواب البحث العلمي الجاد .

                                والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته