بحضور حشد من الفعاليات الفكرية والعلمية والإعلامية بالجهة، إضافة إلى أساتذة المؤسسات الجامعية والباحثبن، وفعاليات من المجتمع المدني المهتمة بالمجال الاقتصادي، انطلقت سلسلة المحاضرات الشهرية لمركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة، والتي سطرها لموسمه العلمي 2007-2008، لتشمل حصيلة وآفاق الدراسات في مختلف تخصصات العلوم الإنسانية بالمغرب، وسيكون من بينها: د. محمد بلفقيه في الجغرافيا، د. محمد مفتاح في الآداب، د.عبد الله ساعف في علم الاجتماع، و د. محمد البردوزي في علم السياسة.
وقد أتت المحاضرة الأولى ضمن هذه السلسلة، تحت عنوان "حصيلة الدراسات في الاقتصاد الإسلامي بالمغرب" ألقاها خبير اقتصاد التنمية والاقتصاد الإسلامي ومستشار البنك الإسلامي للتنمية.ورئيس الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في الاقتصاد الإسلامي الدكتور عمر إدريس الكتاني.
وقد استهل المحاضر كلمته بمحاولة رسم مسار لبداية البحث في مجال الاقتصاد الاسلامي، وتحديد المحطات الكبرى التي مرت بها الكتابة في المجال، وأشار إلى أنه من المجالات القديمة الجديدة في آن واحد، و تحتاج من الباحث الاقتصادي عصامية التكوين. إذ أن الأساتذة المغاربة لم يكن لهم دراية أو اهتمام بهذا التخصص، فضلا عن الأساتذة الأجانب الذين لم يكونوا مهتمين بالمجال بحكم تخصصهم في مجالات أخرى، لذا كان لازما من إعادة سبر أغوار المجال والاعتماد على التكوين الذاتي لكل من أراد الولوج للبحث في الاقتصاد الاسلامي.
ويبقى التساؤل المحوري الذي طرح في مستهل المحاضرة هو : ما هو التقييم الذي يمكن أن يتقدم للبحث في مجال الاقتصاد الإسلامي بالمغرب؟ خصوصا وأنه يمكن تصنيف المغرب من أواخر الدول التي اهتمت بهذا الجانب مقارنة بالدول العربية و الإسلامية، كماليزيا التي بها معاهد لتكوين الأطر في مجال البنوك الإسلامية، وكذا باكستان التي تحوي جامعة مختصة في الاقتصاد الاسلامي، السعودية، ومصر…
إن البحث في مجال الاقتصاد الاسلامي، بدأت في المشرق منذ الستينات، بينما تأخرت في المغرب إلى أواخر الثمانينات، وقد ارتبط البحث في المجال بشكل أساسي بالجمعية المغربية للدراسات والبحوث في الاقتصاد الاسلامي المؤسسة سنة 1987، ويمكن تحقيبها إلى ثلاث محطات أساسية، الأولى والثانية اتضحت معالمها وأطوارها، بينما المحطة الثالثة فنعيش أطوارها، وتبدأ بالقبول الرسمي للمعاملات البديلة في المؤسسات المالية:
*- المرحلة الأولى: مرحلة النشأة والتأسيس:
اتسمت بالطابع النظري، ولم يتوان المحاضر في تسمية هذه المحطة بالمرحلة النظرية ومن أبرز سماتها عقد مجموعة من الندوات الدولية في مجال الاقتصاد الاسلامي، ومحاولة تدريس مادة الاقتصاد الاسلامي في الكليات والمعاهد، وكذا الإشراف على مجموعة من الأطاريح الجامعية في المجال.
وفي هذا الإطار يمكن اعتبار ندوة كلية الآداب بجامعة محمد الخامس التي عقدت في أبريل سنة 1987 تحت عنوان:"إطلالات على الاقتصاد الإسلامي"، أول شعلة للانطلاق للبحث في المجال، وكان الهدف الأساس هو محاولة التكوين الذاتي واكتساب المعارف في مجال الاقتصاد الاسلامي، وانبثقت عنها الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في الاقتصاد الإسلامي تشجع البحث والتكوين في مجال البحث في الاقتصاد الاسلامي، وفي سنة 1988 كانت ندوة أخرى في :" منهجية التدريس الاقتصاد الإسلامي"، وكانت غايتها تحديد المصادر أو الركائز الأساسية التي يمكن اعتبارها أسسا للاقتصاد الإسلامي، إذ لم يكن بالإمكان العودة للتراث الفقهي في مجالات المعاملات كلها، ويمكن اعتبارات كتابات باقر الصدر بمثابة مدخل عام للفكر الاقتصادي الاسلامي، وفي نفس السنة ظهرت جريدة رائدة في مجال الاقتصاد الاسلامي هدفها جمع أكبر قدر ممكن من المعطيات والمعلومات عن الاقتصاد الإسلامي، ونشرها بشكل دوري.. وتحولت الجريدة إلى مجلة وتكاد تكون هذه البادرة المغاربية الوحيدة في المجال. كما عقدت في فبراير 1989 ندوة في :"تنمية التجارة الإسلامية"، وفي نفس السنة قامت الجمعية بدارسة جدوى إقامة بنك إسلامي في المغرب، وقدمت الدراسة لوزير المالية ولوالي بنك المغرب، كما شهدت نفس السنة مناظرة بين البنوك الإسلامية، مثلت فيها كبرى المؤسسات البنكية بالعالم العربي كمؤسسة البركة، وبيت التمويل الكويتي... أما في سنة 1990 فتمت دراسة مشروع إنشاء معاملات إسلامية ببنك الوفاء،... لكن تم توقيف المعاملات الإسلامية بهذا من طرف وزير المالية، وذلك بحجة القيام بدراستها...للتـأكد من نجاعتها.
وتوجت هذه المرحلة بصدور أول طبعة لمقرر سنة أولى إجازة تم تقريرالاقتصاد الاسلامي، وذلك سنة 1991 وتم اعتبار ذلك مسا بكلية الحقوق و نوع من الخروجعن المنطق والموضوعية... وقامت بسببه حروب "باردة" هدفت إلى إبعاد المحاضر عن التدريس في السنة الأولى، وفي نفس السنة طلب رئيس معهدالإحصاء تدريس مادة الاقتصاد الاسلامي كمادة اختيارية في المعهد وأزيلت المادةبزوال رئيس المعهد.
- المرحلة الثانية: مرحلة التطبيق:
إذ ارتبطت بداية هذه المرحلة بإنشاء النادي المغربي لتشجيع الاستثمارات من طرف بعض أعضاء الجمعية ما بين سنة: 1990-1991، وهو النادي الذي أعطى فكرة إنشاء شراكات استثمارية إسلامية وهي تجربة تسير بخطى ثابتة وفي تطور مستمر... كما اتسمت هذه المحطة بإسناد دولة البحرين للجمعية دور إنشاء صندوق اجتماعي، وذلك لمحاربة الفقر في البحرين... وكان من التحديات الكبرى أمام الجمعية لاستثمار المعطيات النظرية التي تم اكتسابها في المرحلة الأولى في التطبيق العملي، وقد شكل هذا الالتزام امتحانا حقيقيا للمبادئ والنظريات، كما كان في ذات الوقت مخاضا عسيرا خصوصا وأن بعض القضايا كانت تثير الكثير من الحساسية، من قبيل تقديم أرقام عن الفقراء في البحرين الذي أثار الكثير من المظاهرات بسبب العدد الكبير الذي كشفت عنه الدراسة... وتوجت هذه المرحلة بمساهمة ثلاثة فروع من الجمعية الرباط والدار البيضاء ووجدة في إنشاء شراكات للمشاركة سنة 2000 ، وكذا بمساهمة أعضاء الجمعية سنة 2006 في إنشاء موسوعة في الاقتصاد الاسلامي بالتعاون مع المركز المغاربي للبحوث لندن، ومركز للبحوث في باكستان. وهي في الطبعة الثالثة وستصدر باللغة العربية والانجليزية.
هذه هي مجل المحطات الأساسية التي يمكن تسجيلها حول مسار البحث في مجال الاقتصاد الإسلامي بالمغرب، ولا يمكن الحديث عن المحطة الثالثة لكونها لازالت في بداياتها الأولى.
وقد خلص المحاضر لمجموعة من الخلاصات: تأتي في مقدمتها أن جل الكتابات التي أنجزت من المغاربة في مجال البحث الاقتصاد الاسلامي كانت جلها باللغة الفرنسية على الرغم من أن القانون لا يمنع من كتابة الأطاريح باللغة العربية، وذلك لعدم تخصص أو إلمام الهيئات المؤطرة باللغة العربية. كما تم رفض الكثير من طلبات التسجيل في الدكتوراه في الاقتصاد الاسلامي، بسبب صعوبات التوظيف المتوقعة، لحاملي الأطروحة في هذا التخصص الذي لم يكن مرغوبا فيه. إضافة إلى أن غياب الأطاريح الجامعية في مجال الأوقاف بسبب صعوبة الحصول على المعطيات في المجال، يطرح مشكلة عويصة أمام البحث في مجال الاقتصاد الاسلامي، خصوصا أن الأوقاف قامت بدور حضاري ريادي كبير في مختلف المجالات وعلى كافة المستويات. ليخلص في النهاية للتأكيد على التكوين الاستشرافي في الوقوف على التحديات التي ستواجه المغرب بعد عقود من الزمن، عن طريق هو استثمار للمعطيات والمعلومات المتاحة.