وقد قدمت في الحفل كلمة للدكتور سمير بودينار رئيس المركز، حيث استهل كلمته بالإشارة إلى أن البرنامج العلمي للمركز بشقيه البحثي والتواصلي يتمحور أساسا حول البحث العلمي واقتصاد العلم، مؤكدا على ضرورة إيلاء هذا الجانب الاعتبار الواجب على الصعيد الوطني، خاصة وأن العديد من المؤشرات دالة على أن أمام البحث العلمي مراحل كبرى من العمل الجاد، الذي ينطلق من منظومة متكاملة لمؤسسة البحث العلمي تقوم على مأسسة وهيكلة البحث العلمي: حيث تتجسد نجاعة البحث العلمي في الأثر الذي يولده على حركة التنمية، عبر المقاربة الكمية والنوعية للأبحاث والدراسات من حيث الرصد والتطوير.
كما أشار لحاجة البحث العلمي إلى توجيه استراتيجي، ينطلق من فهم المعضلات و التحديات التي يواجهها المغرب سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو الفكرية... من خلال وجود مؤسسة أو مؤسسات لرصد وتتبع حركة البحث العلمي و التقدم المعرفي و دراسة أثرها على التنافسية الدولية. وبكذلك تزداد فرص التعاون المتاحة مع المؤسسات الأخرى حكومية و خاصة؛ و من شأن ذلك مساعدة الباحثين على تحديد مواضيع البحث ذات الجدوى الأكبر بالنسبة للوضعية الاقتصادية و الاجتماعية للمغرب. كما تؤدي إلى إذكاء الوعي الاستراتيجي لدى الباحثين مما يعطي أعمالهم عمقا أكبر و يوطد ارتباطهم بالواقع ومساراته المختلفة، هذا فضلا عن توفير الشروط التي تقوم بها مراكز الأبحاث والتي من بينها تجميع المادة العلمية؛ وتسهيل وصول الباحثين إلى المعلومات والمعطيات؛ ونشر البحوث المنجزة و تعريف المهتمين بها.
وأضاف الدكتور بودينار إلى أن شعار المعرفة المجتمعية الذي رفعه المركز، يبين بوضوح انخراطه في القضايا الأساسية للمجتمع المغربي، سواء من خلال المقاربات النظرية التأصيلية، أو عبر الدراسات المسحية والبحوث الميدانية في مختلف مناحي الحياة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، مع الحرص على استدامة فرص التداول العلمي وأسباب التواصل المعرفي مع جمهور الباحثين والمهتمين.
وعبر في الختام عن أمله في تعزيز أواصر صلة المركز مع مختلف المؤسسات الجامعية والمعاهد البحثية وغيرها، من أجل استرداد مكانة الإنسان باعتباره عنوانا للنهضة والتنمية والإعمار، ومحورا لمجهوداتها وغاية لمسعاها. الإنسان الذي يجعل " المعرفة تصغي لأسئلة المجتمع، والمجتمع يسترشد بالبحث العلمي".
أما الكلمة الثانية فكانت لمدير المركز د رشيد بلحبيب، الذي أشار في مستهلها إلى رغبة الإنسانية في الامتداد الذي يقود إنسانيتها نحو السمو الكامن فيها، ولا يكون هذا إلا بالعلم والمعرفة. إذ أن كل أمة ضعُف العلم فيها، اختلّت هندستها الاجتماعية، وأضحت زبدا يذهب أدراج الرياح... وتفقد بذلك الوجهة والطريق.
مشيرا إلى أنه من العوامل الأساسية في استمرار عمل مراكز الأبحاث، إيمان المجتمع بالعلم، واقتناعه بعلمائه وباحثيه، وتصديقَه لميدانِ العمل الذي يستثمر فيه نتائجَ هذه الأبحاث، التي تعد بمثابة رحيق في نفوس الخلائق وعقولهم. مضيفا إلى أن مراكز الأبحاث تعتمد في عملها إضافة إلى إنجازاتها البحثية، على مدى قدرتها على احتضان الكفاءات العلمية، فبقدر امتلاكها للطاقات والمواهب العلمية يتحدد أفقُ البحث العلمي وطبيعة ُ نتائجه. والعمود الفقري لعملها يتجسد في وفرة قواعد البيانات المتكاملة التي تقتضيها البحوث المبتكَرَة، في الحقول المعرفية المتنوعة، التي هي مبرر وجودِها وكينونتِها ومصداقيتِها.
وعليه، فمراكز الأبحاث ليست سوى إشراقٍ نوريٍ على هذه الكثافة المادية المتراكمة، وليست إلا إبداعا للصيغ العلمية التي تنتظم الإنسانية ُفيها، وإذا رُفِع المصباحُ، لم تجد الظلامَ إلا وراء الحدود التي تنتهي إليها أشعته.
كما أشار إلى أن مركز الدراسات يستمر فتح آفاقٍ للمعرفة العلمية، ويكبر يوما بعد يوم، ويدشن مراحل جديدة من مراحل النمو والاكتمال، شعاره في كل ذلك المعرفة التي تصغي لأسئلة المجتمع وتحاوره، وتجعل من العلم قانون وجود الإنسان على الأرض، إسهاما منه في التنمية الشاملة للوطن، ومحاربة ًلشيخوخة الهمم والعزائم لدى الباحثين، وإدراكا للثقة بالبقاء وإصرارا على شق سبلِ العزم والمجدِ الصحيح، المؤثث بالمعرفة الباعثة على الكمال...
كما حدد الدكتور بلحبيب الرسالة التي يسعى المركز إلى تجليتها والمتمثلة أساسا في :
- تطويرِ الحياة العلمية والمعرفية بالجهة ثم بالوطن .
- تشجيعِ المبادرات، ودعم البحوث العلمية المتعلقة بكافة الحقول الإنسانية، والاجتماعية والحضارية وتطويرِها.
- دعم صانعي القرار، عن طريق توفير الدراسات، وتقديم الاستشارات التي تُبلور الخيارات، وتوضّح السياسات، و تساعد في اتخاذ القرارات.
ولتحقيق هذه الأهداف، رسم المركز عددا كبيرا ومتنوعا من الخطط والبرامج المؤسِّسة، يرجع الفضل فيها إلى التخطيط الاستراتيجي الذي نهجه، والاستجابة التلقائية لحاجة الباحثين الذين وضعوا ثقتهم في مشاريعه، ولحاجات المجتمع، ومتطلبات التنمية المعرفية والعلمية بأبعادها الأكاديمية والمنهجية...
يتلخص برنامج المركز كما هو مسطر في:
1- المؤتمر الدولي:
فقد جاء بعنوان" اللغة العربية والتنمية البشرية : الواقع والرهانات" وقد جاء استجابة لقضية جوهرية من قضايانا العلمية والوطنية محاولا الإجابة عن علاقة اللغة بالبحث العلمي والتنمية المعرفية، ودور مجامع اللغة ومؤسسات الحماية في التنمية، وتجارب المعالجة الآلية وصناعة البرامج والتعليم عن بعد...وقد وصل عدد المشاركين حتى اللحظة، أزيد من ستة عشر خبيرا لغويا من خارج المغرب، من وجامعات ومجامع لغوية وجمعيات ومؤسسات بحثية...
2- الندوات:
فقد جاءت استجابة لحاجات علمية ووطنية ضرورية وملحة، يرتبط بعضها بقضايا لها راهنيتها، أراد المركز أن يسهم في فتح حوارات علمية حول أبعادها ومآلاتها :
كندوة "مشروع الحكم الذاتي في الصحراء المغربية قراءة في انعكاسات ومآلات إمكانية التطبيق"، التي ينظمها المركز بالتعاون مع مجلس المستشارين والتي ستجري وقائعها بالرباط.
وندوة "المغرب والبناء المغاربي: العوائق وإمكانيات التجاوز"، التي ينظمها المركز بتعاون مع كلية العلوم القانونية والاقتصادية بوجدة.
وندوة "الطفل والطفولة : مقاربات متعددة " التي ينظمها المركز بالتعاون مع مجموعة الدراسات التاريخية والديموغرافية بكلية الآداب .
3- الأيام الدراسية:
فقد جاءت متعددة ومتنوعة ، ومنها على سبيل المثال : يوم دراسي في "آفاق المعاملات البنكية البديلة"، التي سيشارك فيها نخبة من الاقتصاديين والأكاديميين والفقهاء ومديري الأبناك ... وآخر حول "مقاربة الدراسات الثقافية"، بالاشتراك مع ماستر دراسات ما بعد الكولونيالية بشعبة اللغة الإنجليزية بكلية الآداب.
4- أما المحاضرات :
فقد كان المتحكم فيها والباعث عليها، مشاريعَ فكريةً حول حقول علمية تخصصية، يَعرض من خلالها صفوة من المفكرين الذين سيستضيفهم المركز ليحدثونا كل في مجال تخصصه،عن العلم الذي ينتسب إليه، وعن حصيلة ما أنجز فيه، وعن الإشكاليات التي تنتظر، لتكون أرضية تمكن المركز من خوضها دفعا للاجترار وطلبا لآفاقٍ غير موطوءة، وفي هذا السياق، حددت علوم الفلسفة وعلم الاجتماع، والسياسة والقانون، والتاريخ والجغرافية والأدب والنقد... وسيقوم المركز بنشر هذه المحاضرات في سلسلة دفاتر التي يصدرها، والتي يوجد ثلاثة منها قيد الطبع.
5- المسارات : فهي عبارة عن سلسلة من اللقاءات العلمية مع صفوة من العلماء والباحثين، يعرضون من خلالها تجاربَهم ومعاناتِهم في القراءة والكتابة، حرصا من المركز على تمكين الباحثين من تجاربَ وخبراتٍ حية وواقعية...
6- بالنسبة للدورات التكوينية فتستهدف أساسا طلبة الماستر والدكتوراه ، وتسعى إلى:
خلق دينامية في التفكير والحوار والحجاج، وبناء أجيال من القيادات الناجحة، وتنمية المهارات والقدرات الإبداعية، وتطويـر كفاءات الاتصال لديها. ومن أجل هذا، تم برمجة الدورات الآتية :
*- الأسرة وحدة تحليلية في العلوم الاجتماعية، لفائدة الطلبة الباحثين بوحدة فقه الأسرة والتحولات المعاصرة بكلية الآداب بوجدة.
*- ذوو الاحتياجات الخاصة بالمغرب الوضعية الإحصائية، لفائدة الطلبة الباحثين بوحدة المربين المختصين بكلية الحقوق بوجدة.
*- مناهج البحث وقدراتها التفسيرية، لفائدة طلبة الإجازة بالكلية المتعددة التخصصات بالناظور.
*- المنازعات حول الموارد الطبيعية بالمغرب، لفائدة الطلبة الباحثين بوحدة وماستر المنازعات بكلية الحقوق بوجدة .
*- البحث الميداني وبناء النظرية، لفائدة الطلبة الباحثين بوحدة الديموغرافية التاريخية بكلية الآداب بوجدة.
ليختم الدكتور بلحبيب كلمته بالإعلان عن استعداد المركز للإسهام في إنجاز بعض الدراسات في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية للجهات التي ترغب في ذلك، على غرار المشاركة في اللجنة العلمية للتقرير الخمسيني، وكذا المشاركة في التقرير الاستراتيجي السنوي لمجلة البيان،إضافة إلى إسهامه في الدراسة الميدانية الوطنية التي أجريت حول عمل المرأة المغريبة ... وعن استعداده أيضا لعقد دورات تدريبية/ تكوينية في مجال الدراسات الاجتماعية والبحوث الميدانية والإحصائية وقياس الرأي .