مقدمة :

       في مفهوم التراث و الحاجة إلى ترتيب أولويات البحث فيه :

 

                إن تراث الأمة أيا كانت هو جذورها ، ونسيج وجودها ، وهو قدرها وأساس رقيها ، وهو جماع مقومات شخصيتها ، ومن ثم ، كانت الحاجة ماسة إلى ضرورة إحيائه والالتزام العلمي الواعي بتصفحه ودراسته  قصد فهم حاضر الأمة وتحديد الخرائط الدقيقة لمستقبلها .

 وقد أصبح من المسلمات أن احترام الأمة لتراثها هو احترام لذاتها ، والاستخفاف بالتراث هو الاستخفاف بالنفس  ، إذ الأمة التي لا تكف عن تحقير ذاتها في مقارنة مستمرة بالآخرين ، شأنها في ذلك شأن الفرد ، لا يمكن في أحسن الأحوال إلا أن يكون مقلدا كفؤا ، ولكنها فاقد للقدرة على الإبداع (1)

                لقد أفرزت مجتمعاتنا نفوسا من بني جلدتنا ، تميل إلى احتقار الذات ، والاستخفاف بالتراث ، وتجد في ذلك لذة ونشوة ، تعدل ، أو تفوق تمجيدها للآخر والتغني به !

                وهذا الميل في النفس إلى إنكار الإنسان لماضيه ، واعترافه بأن آباءه كانوا سافلين ، وأنه يريد أن يتبرأ منهم ، لا يصدر إلا عن الفَسِل الخسيس ، الوضيع النفس ، أو عن الذي يشعر أنه في وسط قومه دنيء الأصل ، فيسعى في إنكار أصل أمته بأسرها  وهذا السلوك المَرَضِي ، مخالف لسنن الكون الفطرية التي جعلت في كل أمة ميلا طبيعيا للاحتفاظ بمقوماتها ومشخصاتها من لغة وعقيدة...(2)

                إن الصلة بين التراث الإسلامي والحريصين عليه صلة قديمة ، وقد أدرك أصحابه أن الحفاظ عليه ، حفاظ على المبادئ والقيم التي بنت عليها الحركة العلمية أسسها منذ عصر التدوين .

                ومن هذا المرتكز دعوا إلى إحيائه وتطويره ، وتوظيف ما يصلح أن يكون خيوطا تجعل تاريخ الأمة الحضاري سلسلة موصولة الحلقات ، الأمر الذي يبعث في النفوس والعقول والقلوب إحساس الأصالة والعراقة ، فيعين على التصدي لعظيم التحديات (3)

إن تراثنا الإسلامي  يمتد بامتداد الأوطان شرقا وغربا ، ويضرب في الأزمان ماضيا وحاضرا ، ويختلف باختلاف المدارس تنظيرا وتطبيقا ، وهو في كل ذلك متنوع كما وكيفا... ومما لا شك فيه أن الغزارة والرحابة التي عليها هذا التراث  - مع ترامي الأطراف واختلاف الأوطان وتباين المستويات - يحتاج إلى جهود جبارة قصد إحصائه  ، وإلى مثلها قصد تصنيفه ودراسته وتحديثه ، ويحتاج فوق ذلك الجهد إلى التخطيط والابتعاد عن التلقائية ! (4)

                ولعل من آفات البحث في هذا التراث ، بجميع فروعه ، أنه يقوم على " منهج العثور" أو " الصدف " ، وينأى عن التخطيط والعلمية ، يتضح  ذ لك  بالنظر في مقدمات النصوص المحققة التي تروي لنا قصة الباحث مع المخطوط ، التي قد تطول فصولها ، وتتنوع أساليب التشويق فيها !

كما أن الناظر فيما تقذف به دور النشر ومراكز تحقيق النصوص ، وتصفح فهارس الرسائل الجامعية  وأعمال المحققين ،  يتبين له إلى أي حد يعاني هذا القطاع البحثي من الفوضى والتلقائية ، و غياب المنهجية ، واختلال في ترتيب الأولويات ، إذ كثيرا ما نهتم بالفروع قبل الأصول ، وبالجزئيات قبل الكليات ، وبالمُختلَف فيه قبل المُتفق عليه ! (5)

 

إلا أن  هذا لا يعني أن حركتنا الفكرية لا تستفيد مما تنشره هذه اللجان أو الصادقون من الأفراد ، ذلك أن كل ما ينشر هو بالقطع مفيد ، لأنه يكشف عن صفحة من التاريخ الفكري لهذه الأمة ، ولكن عندما تكون إمكانيات التحقيق ، وبالذات إمكانية النشر محدودة ، فلا بد أن يكون هناك الأهم فالمهم ، فالأقل أهمية ... وعندما تكون حركتنا الفكرية التي نريد لها التقدم ... في حاجة إلى طاقة وزاد يعينها على إنجاز مهماتها الحضارية  العصرية ... عند ذلك تبرز أهمية التخطيط وتتبدى لنا ضرورة حسن الاختيار(6)

 

                إن مجالات البحث في تراثنا الحضاري كلها مطلوبة ، ولا ينبغي أن يهمل أي جانب منها أو يؤجل ، وإنما الواجب توزيع القوى والكفاءات على كل منها ، وفق حاجات هذه المجالات من ناحية ، أو وفق ما عندنا من قدرات من جهة أخرى !

                ومن حق التراث علينا ، أن نفقه أيّ القضايا أولى بالاهتمام ، فتُعطى من الجهد والوقت أكثر مما يُعطى غيرها ، وتوضع الأشياء في مراتبها ، فلا يُؤخر ما حقه التقديم  ولا ُيقدم ما حقه التأخير ، ولا يُصغر الأمر الكبير ويُحقّر ، ولا يُكبر الأمر الصغير ويُضخم ، هذا ما يقضي به المنهج ، وما تأمر به أحكام العقل المنظم  .

       

                يمثل تراثنا النحوي -  موضوع هذه المداخلة - جزءا من تراث الأمة العام ،  وكل ما يقال عن التراث إيجابا وسلبا ،  يصدق على أجزائه وحقوله المعرفية ومنها النحو ، ومع أن أمهاتِ المصادر النحوية  وعيونَها وموسوعاتِها ، شاء الله لها أن ترى النور بنسبة عالية ، إذا ما قورنت بغيرها ، إلا أن ما بقي مما لم يظهر للوجود من العناوين، يدفع إلى القول إن هناك مهماتٍ جسيمةً تنتظر الإنجاز وَفق أولويات منضبطة  ومنهج محكم ، وقد رأيت أن أقسم هذه الأولويات إلى أربعة أقسام ( وهي أولويات تصدق على النحو كما تصدق على غيره من حقول المعرفة الإسلامية ) :

 

1-      أولويات في مجال التحقيق

2-      أولويات في مجال الدراسة

3-      أولويات في مجال النقد والمراجعة

4-      أولويات في مجال التطوير والتحديث

 

1- أولويات في مجال تحقيق النصوص :

        يمثل التحقيق العلمي للتراث النحوي المنطلقَ ، ونقطة البدء لأي نهضة لغوية راشدة ،  ولذلك بادر الأفراد والمؤسسات منذ ما يزيد عن القرن والنصف إلى جعل مسألة تحقيقه فوق كل اعتبار ، لكن العملية رغم حرص كثير من الجهات - أفرادا ومؤسسات - على تنظيمها ، ظلت تعاني من التلقائية والانتقائية والفوضى .

 ويمكن معالجة الأمر وفق النظر في إنجاز ما يلي :

 

أ -  فهرسة الأعمال المحققة تحقيقا جيدا :

 

تعتبر فهرسة الأعمال المحققة من أولوية الأولويات ، وإن الباحث في الدراسات النحوية ليستغرب حين لا يجد فهرسة كاملة شاملة قابلة للتحديث ، يعود إليها للتحقق من عمل ما ، فعلى الرغم من وجود بعض فهارس المطبوعات ، وفهارس الرسائل الجامعية إلا أنها لا تشفي غليلا ، فوق كونها مليئة بالتضارب والشطب ، ُمفهِرسة للمُنجز وغير المُنجز.

وعملية فهرسة المصادر النحوية المحققة ، مطبوعة ومرقونة - على يسرها وإمكانها -  تعد من أجلّ الأعمال ، لأنها تزود الباحث بالمراد ، وتبعده عن التخبط والتكرار.

ويمكن الاستعانة في هذا السياق بالمفهرس الآلي العربي AAI  ، الذي يُمكِّن عن طريق الحاسوب من التعرف على محتوى الوثيقة ، وقد طورت شركة صخر هذا المُفهرس الذي يحتوي على مستويات مختلفة من الفهرسة ، كما توجد به نسخة من HTML  للإنترنت .

وهذا ما ُيمكّن من العمل الجماعي في الفهرسة - إذا استُحدث موقع للتراث النحوي - دون عناء وبدقة عالية ، ويجعل الفهرسة متاحة لملايين المستخدمين ، ويُمكّن كل باحث من الإسهام فيها عن طريق مراسلة الموقع وإمداده بما يتم العثور عليه من جديد .

 

ب -  فهرسة  التراث النحوي غير المحققٍ ، مطبوعا ومخطوطا :

 

تتمثل النقطة الثانية في فهرسةِ التراث النحوي غير المحقق مطبوعا ومخطوطا وجمعِه على صعيد واحد ، انطلاقا من كتب التراجم والطبقات ، ومصادر التراث وفهارس الخزائن العامة والخاصة  ، بحيث يصير مُزِّودا للأقسام العلمية بالمؤسسات الجامعية ، وُممِّدا للباحثين والمهتمين في كل مكان .

ومن المؤلم أن عددا من الغيورين على هذا التراث ينفقون ميزانيات ضخمة جدا  في تصوير المخطوطات من شتى بقاع العالم ، لكنهم يعملون دون إحصاء ولا تخطيط ، بل إن كثيرا منهم يتنافس في تكثير سواد الممتلكات ، وفي المحصلة ، مخطوطات مكررة في عشرات المراكز بعشرات النسخ  ، ويظل المفقود مفقودا ، والمبتور مبتورا ، وكان الأولى أن يتم التعاون على تصوير ما لم يصور ، والتكامل في اقتناء الموجود ، والبحث المشترك عن المفقود ، ترشيدا للإنفاق وتسديدا للجهود !

 

ج‌-      ترتيب ما ينبغي تحقيقه وفهرسته وفق الأولويات :

 

لا بد من ترتيب ما ينبغي تحقيقُه بعد جمعه وفهرسته وَفق أولويات ، وقد بدا لي أن الأولويات يمكن أن نستخلصها من مقاصد  التأليف في تراثنا العربي والإسلامي ، والتي رصدها عدد من الأئمة منهم ابن خلدون في سبعة مقاصد :

1- استنباط العلم بموضوعه ، وتقويم أبوابه وفصوله (7) ( كما فعل سيبويه في علم النحو ، والشافعي في علم الأصول ، وابن جني في علم اللغة ، والجرجاني في علم البلاغة ... ) فتحقيق المخطوط الذي هذه أوصافه مقدم على غيره ، لأنه مُؤسس للعلم مُبدع فيه ، غير مسبوق إليه (8)

2- شرح ما استغلق من كتب الأولين ( مثل شروح كتاب سيبويه ، وشروح كتاب الجمل ، وشروح المفصل ، وشروح التسهيل ...) وهذا الضرب يأتي في المرتبة الموالية ، لأنه يقوم على غيره ، فلا ينبغي أن يتقدم عليه .

3- تصحيح أخطاء من تقدم ( مثلما فعل الغندجاني في فرحة الأديب ، حيث نبه على أخطاء السيرافي في شرحه لشواهد سيبويه ، ومثلما فعل ابن هشام اللخمي الذي نبه على أخطاء الأعلم الشنتمري في شرحه لشواهد الكتاب ، ومثلما فعل أبو عبيد البكري في كتابه " التنبيه على أوهام القالي في أماليه " ، ومثلما فعل ابن بري في كتابه " التنبيه والإيضاح عما وقع في الصحاح ...) وهذا النوع يلي في الترتيب سابقيه .

4- إتمام ما نقص من مسائلَ وأبوابٍ وفصول في فن بعينه ( مثلما فعل الزبيدي في كتابه الاستدراك على أبنية سيبويه ...)

5- ترتيب مسائل في أبوابها ، مثلما فعل السيوطي في الأشباه والنظائر...

        6- جمع ما تفرق من مسائل في أبوابها  ، مثل صنيع السيوطي ، والمتأخرين من النحويين ... 

        7- تلخيص المسهب والمكرر ، وتناوله بالاختصار والإيجاز ( مثل اختصار الزبيدي لكتاب العين ، وتلخيص القزويني في علم البلاغة ، واختصار السيرة لابن كثير وتلخيص ابن مالك للكافية الشافية ...)

 

        وقد ختم ابن خلدون حديثه عن أصناف التواليف قائلا :" فهذه جماع المقاصد التي ينبغي اعتمادها بالتأليف ومراعاتها ، وما سوى ذلك ففعل غير محتاج إليه ، وخطأ عن الجادة التي يتعين سلوكها في نظر العقلاء ، مثل انتحال ما تقدم لغيره من التواليف بأن ينسبه إلى نفسه ببعض تلبيس من تبديل الألفاظ وتقديم المتأخر وعكسه ... أو يأتي بما لا فائدة فيه ، فهذا شأن الجهل والقحة " (9)

        وهذا الذي عده ابن خلدون جهلا وقحة ، هو إفساد للعلم ، ومضيعة للجهد والوقت والحبر والورق ، وهو تخسير للكاغد على حد تعبير الإمام ابن عرفة .

       

        إن هذا المعيار الذي رسمه ابن خلدون لمقاصد التأليف يضع الكتابة العلمية وفق ترتيب معقول ، فالمبدع في العلم المستنبط له ، ليس كالشارح أو المستدرك أو الجامع ... ولذلك يمكن اعتماده منهجا في ترتيب الأولويات عند اختلاط الأمر ، أو تراكم المادة العلمية المخطوطة ، فيكون الترتيب على الشكل الآتي :

  المُبدع في العلم أولا  ، ثم المُكمل ، ثم المُصحح ، ثم الشارح ، ثم المُختصِر  ثم الجامع للمتفرق ، ثم المُرتب للمنثور، أما الناقل أو المدلس فلا مكان له في سلم الأولويات .

 

د -  التنسيق في عملية التحقيق بين المؤسسات والأفراد :

 

لا شك أن تراثنا العربي بحاجة ماسة إلى قراءة معرفية تضع اليد على مواطن القوة والضعف فيه ، وتنبه على المعتمد والمردود منه ، وهو بحاجة ماسة كذلك إلى جهود جماعية لخدمته وإحيائه ، ومع مرور ما يزيد عن قرن من الزمان على نشأة هذا الإحساس ، فإن هذا الحقل مازال يعرف انعداما في التخطيط ، وتلقائية في الفعل ، وغيابا في الرؤية وفقدانا للمنهج العلمي الدقيق .

ومع وفرة المؤسسات القائمة على تحقيق التراث في العالم العربي والإسلامي ، إلا أن التنسيق بينها يكاد يكون منعدما ، كما أن عامل الزمان لديها مهدر ، فقد شُرع في طبع كتاب " نهاية الأرب في فنون الأدب " للنويري منذ سنة 1910، وما تزال بعض أجزائه تنتظر الفرج ، كما استغرق تحقيق " خزانة الأدب " للبغدادي ما يقارب نصف قرن من الزمان (10) ومازال شرح السيرافي لكتاب سيبويه على جلال قدره وسعة علمه ينتظر، ومازال شرح التذييل والتكميل لأبي حيان مع خطورته ، تحقيقه لم يستقر !

إن تحديد الأولويات وترشيد عمل المحققين يبعد حركة التحقيق عن السقوط في المتاهات والتخبط بين ملايين المخطوطات التي لا تستحق -  يقينا- أن يبذل فيها ما يبذل في غيرها من الجهد .

وهذا العمل يجب أن يتم بالمنهج العلمي الدقيق وبالرؤية الحضارية المطلوبة ، بعيدا عن عقلية الناشرين ومصلحتهم ، وبعيدا عن هوى الذين يعملون في حقل التراث ورغباتهم ، ممن دفعت بهم الأقدمية والترقيات والدرجات العلمية إلى مراكز التحكم ، والذين كثيرا ما يختارون المخطوطات المرشحة للتحقيق أو النشر، بناء على الاسم الرنان للكتاب أو الشهرة لصاحبه ، ضاربين صفحا عن القيمة العلمية لما ينشر غالبا  .

إن غياب استراتيجية لمباشرة التراث تحقيقا ودراسة يعرقل عملية إخراجه للوجود ، ويعرقل من ثم حركية الأمة وفكرها ، كما أن الرسائل المنجزة في التحقيق لا قيمة لها ما لم تنشر، لأنها تنقل من رف إلى رف آخر ، ومن مخطوط إلى مرقون !

وغياب التنسيق بين المراكز والجامعات يؤدي إلى إعادة تحقيق ما حقق مرات ، في جهات مختلفة من الوطن العربي ، وفي كثير من الأحيان في البلد الواحد ، إن لم يكن في الجامعة أو المؤسسة الواحدة !

وما حقق وصرفت فيه الجهود مما لا يضيف جديدا للفن الذي ينسب إليه ، يعد عملا في غير موضعه إن لم نقل عملا ضائعا وجهدا مبددا .

 

إن من القيم الحضارية المهمة التي شاعت في هذا العصر ما سمي بالعمل المؤسسي ، وهو عمل جماعي منظم يشارك في إنجازه عادة المؤسسات ، أو مجموعات منظمة من الأفراد ، وهو بذلك من صفات المجتمع المفتوح ، الذي يهيئ لتنمية قدرات الأفراد والجماعات وإمكاناتهم وتعبئتها إلى القدر الكافي ، لتلبية الحاجات ومواجهة التحديات (11)

والتراث العربي بحاجة ماسة إلى الأعمال الجماعية ، التي يجب أن تسري روحها بين العاملين والمهتمين بقضاياه ، وحتى لا تضيع الجهود أو تتكرر لابد أن تقوم على العمل المؤسسي ، فهذا العصر أصبح لا يقيم وزنا للجهود الفردية " كما أن ردود الفعل التي يبديها الناس لمواجهة المشكلات الكبرى لا تكون فاعلة ومؤثرة إلا إذا قامت على تنظيم الجهود واجتماعها ، وحسن التنسيق بينها ، واختيار أحسن الوسائل والمؤسسات والنظم والأساليب ، ثم المضي في استعمالها وتعديلها وتقويمها لتناسب متطلبات المواقف المختلفة (12)

 

وفي هذا السياق كان أستاذنا الدكتور الشاهد قد اقترح على " مركز زائد للتراث والتاريخ " تنظيم مؤتمر دولي تحت مسمى ( المؤتمر العالمي الأول لتنسيق حركة تحقيق المخطوطات العربية في العالم ) وسطر للمؤتمر الأهداف الـتالية :

-         تنظيم حركة السير في مجال تحقيق المخطوطات العربية في العالم

-         الاتفاق على خطة تحقيق ونشر علمية منهجية شاملة متكاملة .

-         التخطيط لإنشاء المركز الجامع لصور المخطوطات العربية في العالم ، والشبكة التابعة له .

-         البت في تأسيس : مكتب تنسيق حركة تحقيق المخطوطات العربية في العالم   وما يتعلق به (13)

ومما لا شك فيه أن عملا من هذا النوع خطوة جبارة في الاتجاه الصحيح ، تعود بالنفع على كل الحقول المعرفية لتراثنا الإسلامي ، ومنها النحو .

 

2-       أولويات في مجال الدراسة :

 

تحقيقُ التراث خطوةٌ أولى يجب أن تتلوها خطوات ، وهو ليس هدفا في حد ذاته ، وإنما هو وسيلة لتمكين الباحثين من تصفح هذا التراث وقراءته بجميع أنواع القراءة ، ودراسته ونقده واستخلاص ما يفيد الأمة في عملية البناء ، وقد ظهر لي أن من أولويات البحث في تراثنا النحوي -  بعد التحقيق -  الدراسة ، فكثير من الزوايا مازال يلفها الظلام ، وما زالت في منأى عن الباحثين ، لا تطأ حماها قدم ، إما لوعورة مسالكها أو عسر مادتها أو لاستعجال الباحثين ... وقد رأيت أن أسجل بعض الأولويات  في مجال الدراسة على الشكل الآتي :

 

أ - دراسة المصادر الأصلية غير المدروسة :

 

مازالت كثير من الدراسات النحوية تدور في فلك التجميع والترديد والاجترار منذ ما يقارب القرن من الزمان ، حيث تضخم الإنجاز وكثر الـتأليف  وانعدمت الأصالة والتمثل العلمي للتراث ، مئات العناوين لا تجد فيها راحلة ، في حين يمر الباحثون على مجالات بكر وهم عنها معرضون ، إن كتب الحواشي و الأمالي وكتب الخلاف وكتب الطبقات وكتب المجالس والمناظرات ... حافلة بمادة نحوية غزيرة يجلي البحث فيها  ضروبَ التأليف ومناهجَ التصنيف ، وقد تُسعف في فهمٍ أدق لمنظومة النحو العربي . 

 

ب - دراسة المصادر الفرعية للنحو العربي :

 

للنحو مصادر قلما يرتادها الباحثون ، يمكن اعتبارها فرعية ، كـ :  كتب التفسير والقراءات والنقد الأدبي والشروح ، شروح الحديث والأشعار... هذه المؤلفات غنية بالمادة النحوية ، وخطيرة في بيان ما اصطلح على تسميته بنحو النص ، فهي تعالج النحو لا معالجة الجمل كما تصنع كتب القواعد ، وإنما انطلاقا من تداخل الجمل وتشابكها وتلاحمها وتعقد طبقاتها وبناها ، وهي تمثل المجال التطبيقي للنظرية النحوية العربية ، ولذلك يعتبر البحث فيها من الأولويات في مجال الدراسة .

وفي هذا السياق يمكن للمتخصصين رصد قائمة من البحوث والقضايا - قابلة للتحديث - لم تدرس ، انطلاقا من المصادر الأصلية أو الفرعية للنحو العربي ، وترتيبها  وإمداد الباحثين وطلبة الدراسات العليا بها .

فضلا عن العناية بالمصطلحات النحوية تكشيفا وفهرسة ، ودراستها دراسة علمية باعتبارها مفاتيح العلم وثماره القصوى ، والعناية بالمدارس النحوية وأسسها النظرية والمنهجية ، كالمدارس العجمية على سبيل المثال ( مدرسة فارس ، مدرسة جرجان ...)

إن مثل هذه الدراسات من شأنها أن تجلي ملامح النظرية النحوية العربية وأسسها المنهجية ، لتوظيفها في تطوير النحو وتطويعه للاستجابة  للمعالجة الآلية .

3-      أولويات في مجال النقد والتقويم :

أ -  نقد القدماء للنحو العربي وتقويمه :

 

إن عملية المراجعة والتقويم للدرس النحوي ، على امتداده وخطورته زمانا وإنجازا، تقتضي عدم إغفال أي فئة ممن كتب لهم أن يدرسوا هذا العلم ، كما تقتضي استحضار كل ما قيل في هذا العلم نقدا وتوجيها وإطراء ، باعتبار أن  المراجعة مطلب حضاري ، وشرط من شروط أي نهضة ، ودليل حياة وحركة بالنسبة للأمم والمجتمعـات ، وأولوية من أولويات الدرس .

لقد أدرك علماؤنا قديما ما تضمنه النحو من صعوبات  فقد أدركوا أن بعض مصادره كانت تعاني من الاضطراب في تتالي الأبواب ، و في توزيع  جزئيات  الباب الواحد ، فضلا عن الغموض في العناوين ، مع غياب الدقة في المصطلحات ، وصعوبة الاهتداء إلى المسائل ، وعدم التطابق بين العنوان وما تحته ، ويمثل  كتاب سيبويه خير نموذج  لهذه الأحكام ، مع أنه يمثل أكمل وأنضج محاولة في التأليف النحوي قديما وحديثا ! (14)

        فقد روى أبو العباس المبرد عن المازني أنه قال :" قرأ عليَّ رجلٌ كتاب سيبويه في مدة طويلة ، فلما بلغ آخره قال لي : أما أنت فجزاك الله خيرا ، وأما أنا فما فهمت منه حرفا (15)

ولهذا انبرى الخلق لشرح هذا الكتاب والتعليق عليه وشرح عيونه وغريبه  ونكته والاستدراك على ما فاته من الأبنية ...

        كما تعاني معظم كتب النحو من الطول المفرط الناشئ عن التكرار والاستطراد والحشو ومعالجة المسائل الأجنبية التي لا صلة لها بالنحو ، فضلا عن الشغف بالمناقشات والجدل والإغراق في تتبع العلل والإكثار من التقسيمات والتفريعات (16)

ومن نماذج ذلك على سبيل المثال ، أن الأشموني أوصل معمول الصفة المشبهة إلى 72 صورة ، منها جائز وممتنع ، ولكن الصبان أبى إلا أن يبزّ الأشموني في عدد الأقسام ، فأوصلها مع تحري الدقة والأمانة إلى 14256 صورة (17)

        لم تغب هذه الصعوبات ومثيلاتها عن إدراك القدامى أنفسهم ، فقد استجابوا تلقائيا لدعوة التيسير على مر القرون - على المستويين النظري والتطبيقي-  فكانوا يؤلفون المؤلفات الضخمة للمتخصصين ، ويؤلفون للناشئة متونا ومختصرات مهذبة .

فقد ألف خلف الأحمر " مقدمة في النحو " قال في بدايته :" لما رأيت النحويين وأصحاب العربية قد استعملوا التطويل وأكثروا العلل ... أمعنت النظر في كتاب أؤلفه وأجمع فيه الأصول والأدوات والعوامل على أصول المبتدئين ، ليستغني به المبتدئ عن التطويل (18)

        وتطالعنا في كتب التراجم والفهارس عناوين كثيرة تدل على أن القدماء كانوا يدركون بعض مصادر الصعوبة في تعلم النحو ، وأن تيسير النحو للناشئة أمر لا مناص منه !

فقد ألف الكسائي مختصرا في النحو ، وألف ابن خياط الموجز في النحو ، وألف ابن النحاس التفاحة ، وتذكر المصادر لابن جني : اللمع ، ولابن قتيبة : تلقين المتعلم ، ولابن خالويه : المبتدئ ، ولابن درستويه : الإرشاد في النحو ، وللمفضل ابن سلمة : المدخل إلى النحو ، وللزبيدي : الواضح في النحو ، وللمطرِّزي : المصباح ، وللشلوبين : التوطئة ولأبي الفرج الصقلي : مقدمة في النحو ...

وهي مؤلفات يظهر من عناوينها رغبة مؤلفيها في التيسير والإيضاح والإرشاد ، كما يطغى عليها الجانب التعليمي !

        هذا على المستوى التطبيقي ، أما على المستوى النظري ، فقد وجدت أيضا حركة إصلاح يمكن تلمس خيوطها عند نحاة كبار من أمثال ابن حزم ، وابن مضاء ، وابن رشد ، وابن الأثير ، وابن خلدون ...

 

   فقد كان ابن حزم يرى أن التعمق في النحو فضول لا منفعة فيه ، بل مشغلة عن الأوكد ، ومقطعة عن الأوجب (19)

 

   وألف ابن مضاء كتابه " الرد على النحاة " الذي قال في مقدمته :" قصدي في هذا الكتاب أن أحذف من النحو ما يستغني النحوي عنه ، وأنبه على ما أجمعوا على الخطأ فيه "  وانتقد نظرية العامل ووصفها بأنها باطل عقلا وشرعا ولا يقول بها أحد من العقلاء (20)

 

   كما ألف ابن رشد " الضروري في صناعة النحو " وجعل غرضه من الكتاب أن يذكر" من علم النحو ما هو كالضروري لمن أراد أن يتكلم على عادة العرب في كلامهم ، ويتحرى في ذلك ما هو أقربُ إلى الأمر الصناعي ، وأسهل تعليما ، وأشد تحصيلا للمعاني (21) وقد أشار في كتابه إلى التداخل بين الموضوعات والمستويات في كتب النحو العربي ، وهو تقصير يَرجع سببه - كما يرى - إلى أن  النحاة " لم يستعملوا في إحصاء أنواع الإعراب القسمة الصحيحة التي لا يعرض فيها تداخل...(22)

 

   كما ذهب ابن الأثير إلى أن واضع النحو جعل الوضع عاما " فإذا نظرنا إلى أقسامه المدونة وجدنا أكثرها غيرَ محتاج إليه في إفهام المعاني (23)

 

   وكان الجاحظ  قبل هؤلاء، يوصي المعلم بأن يترفق بالصبيان في تعليم النحو، يقول : " أما النحو فلا تشغل قلب الصبي منه إلا بقدر ما يؤديه إلى السلامة من فاحش اللحن ... وما زاد على ذلك فهو مشغلة عما هو أولى به ... " إلى أن قال :" وعويص النحو لا يجري في المعاملات ولا َيضطر إليه شيء (24)

 

والجدير بالذكر هنا ، أن علماء النحو القدماء - رغم ما ذكر -  لم يدركوا من هذه الصعوبات إلا القليل ، لقربهم من عصور السلامة ، وقدرتهم على تحصيل الملكة  " وحتى تلك العيوب المحدودة لم تنل منهم اهتماما كافيا ، فقد عالجوها فرادى ، من غير أن يعرض لها إمام بالتجميع والحصر ووصف العلاج ... على كثرة الأئمة الباحثين ، وفيض الكتب والرسائل التي تتصدى للنحو وقضاياه (25)

 

          ب  -  نقد المحدثين للنحو العربي وتقويمه :

 

لم يتعرض أي من جوانب اللغة العربية للنقد والاتهام كما تعرض النحو العربي  فقد هوجم علماؤه ، وسفهت قواعده ، ووصمت كتبه بأقبح الصفات !

        فقد اضطلعت لجان وزارية ومجامع لغوية في القاهرة ودمشق وبغداد والأردن والرباط بجهد في النقد والإصلاح لا بد من استيعابه وتقويمه ، وذلك من خلال الجلسات العلمية الساخنة التي كانت تعقدها لمدارسة هذا الموضوع ، ومن خلال مئات البحوث والمقالات المنشورة على أعمدة مجلاتها ، أو مجلات رائدة عصرئذ كالمقتطف والرسالة والأزهر والهلال والمجلة ... كما نادى عدد غير قليل من الباحثين بضرورة تجديد النحو العربي ، من أمثال رفاعة الطهطاوي ، وجرجس الخوري ، وعلي مبارك  وقاسم أمين ، ويعقوب عبد النبي ، وطه حسين ، وأحمد المرصفي ، وعبد الله فكري ، والشيخ المرصفي ، وحفني ناصف ، وعلي الجارم ومصطفى أمين ، وإبراهيم مصطفى ، وأحمد برانق ، وأمين الخولي ، وشوقي ضيف ، وإبراهيم أنيس  وتمام حسان ...

 

   فقد عزا الدكتور شوقي ضيف عجز العربي وقصوره في لغته إلى " النحو الذي يقدم للناشئة ، والذي يرهقها بكثرة أبوابه وتفريعاته (26)

 

   ورمى إبراهيم مصطفي النحويين بأنهم  جنوا على النحو ، إذ ضيقوا حدوده ، وسلكوا به طريقا منحرفا إلى غاية قاصرة ، وضيعوا كثيرا من أحكام الكلام وأسرار تأليف العبارة (27)

 

   وذهب عبد العزيز فهمي إلى أبعد من ذلك حين جعل مشقة دراسة النحو العربي تحمله " على الاعتقاد بأن اللغة العربية من أسباب تأخر الشرقيين ، لأن قواعدها عسيرة ودرسها مضلل (28)

 

   كما تمنى طه حسين -  بعد أن وصف الإعراب بأنه مخيف جدا - أن يبرئه الله من عقابيل رفع الفاعل بالضمة ، وبنائه على السكون ، يوما ما (29)

 

   ورأى أن هذا النحو لابد أن يتغير (30) لأنه من الخطأ - في رأيه - أن نأخذ عقول الشباب بتعلمه ، والخضوع لمشكلاته وعسره والتوائه (31)

 

   كما رأى آخرون أن هذا النحو لم يوضع بطريقة علمية صحيحة ، ولم َيتّبع فيه العلماء القدامى المنهج العلمي الذي يرون أن الالتزام به كان أدعى إلى الدقة والضبط .

 

       وكتب زكريا أوزون كتابه " جناية سيبويه : الرفض التام لما في النحو من الأوهام "

 

        وكتب أحمد درويش كتابه " إنقاذ اللغة من أيدي النحاة "

 

   ورأى المعتدلون ضرورة المراجعة ، يقول أحمد حسن الزيات : " وأول ما يجب على المجمع أن ينظر فيه ، هو توجيه القائمين على تعليم العربية إلى إصلاح الطريقة التي تعلم بها اللغة ، فإنها لا تزال تعلم باعتبارها ألفاظا مفردة وقواعد مجردة ، لا تتصل بالعقل ولا بالنفس ولا بالحياة " (32)

 

   ورأى محمد عبده طريق اكتساب اللغة العربية شاقا فـ " ما أحوج العربي إلى تعلم ما يحتاج إليه من لغته ، لكن ما أشق العمل ، وما أوعر الطريق  وما أكثر العقبات في طريق العربي الساعي إلى تحصيل ملكة لسانه ، يُفنِي عمره وهو لا يزال يضرب برجليه في أول الطريق ! (33)

 

إذن ، هناك إجماع من المشتغلين بالدرس النحوي والقائمين على شؤون التعليم على أن في النحو العربي صعوبة وجفافا يحول دون التعلم السليم ... على الرغم من الجهود الجبارة التي يبذلونها ، أفرادا ومؤسسات .

لقد كان لهذه الحملات التي شنت على النحو العربي -  بغض النظر عن طبيعتها وأهدافها أكبرُ الأثر في توجيه الإصلاح النحوي في العصر الحديث .

 

        أما مضامين التجديد ، فقد  تراوحت بين الإلغاء والاستبدال الاصطلاحي والترميم الجزئي ، في إطار النظرية النحوية العربية ، وبين استثمار النظريات الحديثة لإعادة بناء النحو العربي على أسس شبيهة بما بنت عليه اللغات الطبيعية أنحاءها ، كما تراوحت بين العلمية والموضوعية  وبين العدائية والانفعالية ، وقد جمعت حقا وباطلا ، وهوجم النحو بما فيه وبما ليس فيه ، وحملت عليه أوزاره وأوزار غيره .

 

   فقد اقترح حسن الشريف إلغاء الممنوع من الصرف ، والتسوية بين العدد والمعدود في التذكير والتأنيث ، كما اقترح أن يظل نائب الفاعل منصوبا  وأن يلزم المنادى والمستثنى حالة واحدة ، فيكونان مرفوعين دائما ، أو منصوبين ... (34)

 

   واقترح جرجس الخوري المقدسي نصْبَ المنادى المعرب مطلقا ، وجعْلَ ضميري الجمع المذكر والمؤنث واحدا ، ونصب جمع المؤنث السالم بالفتحة ، ورفع الاسم والخبر في جميع النواسخ ...(35)

 

   واقترح إبراهيم مصطفى جعل الخبر من التوابع ، وحذف النعت من التوابع ، وحذف الفتحة من علامات الإعراب ...(36)

 

   واقترح شوقي ضيف إلغاء ثمانية عشر بابا ، واعتبرها من الزوائد الضارة ، وهي : باب كان وأخواتها ، وباب كاد وأخواتها ، وباب الحروف العاملة عمل ليس ، وباب ظن وأخواتها ، وباب أعلم وأرى  وباب التنازع ، وباب الاشتغال ، وباب الصفة المشبهة ، وباب اسم التفضيل ، وباب التعجب ، وباب أفعال المدح والذم ، وباب كنايات العدد ، وباب الاختصاص ، وباب التحذير ، وباب الإغراء ، وباب الترخيم ، وباب الاستغاثة ، وباب الندبة (37)

ومع أن بعض هذه المقترحات يمكن دراسته ، إلا أن أغلبها -  مع تلبسه بالعلمية -  كان يجمع بين الإثارة والغرابة ، ولم يكن  قائما على أسس علمية ودراسة متفحصة للواقع اللغوي .

إن من أولويات الدرس النحوي البحث في هذه المشاريع التي ملأت الدنيا وشغلت الناس خلال ما يقرب من قرن من الزمان ، قصد وضعها في موضعها والاستفادة مما يمكن أن يفيد ، وإبعاد ما لا طائل تحته .

 

4-      أولويات في مجال التحديث والتطوير :

أ- الاستفادة من النظريات اللسانية المعاصرة في البحث :

 

لقد أصبح من المعلوم أن القواعد هي طريقة لفهم آلية اللغة ، ووسيلة لامتلاك أساليب التعبير ، وللقواعد المعيارية فائدة تعليمية كبرى ... لكنها ليست خلقا بل وضعا ، ولذا يمكن تعديلها وتبديلها ، كما أنها استنتاجات عامة لمتن اللغة ، ولذا يمكن إخضاعها لعمليات الاصطفاء والانتقاء ، ويمكن منهجتها بشكل أنسب (38)

وقد تحول الأمر في وقتنا من وضع القواعد النحوية للغات إلى دراسة نظام النحو ذلته ، ومن المحسوس إلى المجرد ، ومن الخاص إلى العام ، ومن الظاهر إلى الباطن (39) 

و اتضح  أن نظام النحو في أساسه ما هو إلا وسيلة لتوصيف اللامحدود اللغوي وتفسير مظاهره ، وذلك برد العدد غير المحدود من تجلياته إلى عدد محدود من المقولات أو المكونات والأنماط والعلاقات والقيود .

كما اتضح أن النظرية النحوية الحديثة تسعى منذ البداية  إلى استخلاص  الكليات  اللغوية وصياغة أوجه الاختلاف بين اللغات بدلالة عدد محدود من العوامل ، وتأخذ هذه العوامل قيما محدودة لتوليد نحو لغة معينة ، بصورة تشبه في أساسها عملية التعويض في عوامل المعادلات الرياضية الشاملة لتحديد دلالة بعينها ( 40)

كما أدى الحوار المكثف بين النحويين التحويليين واللغويين الحاسوبيين إلى ظهور نظريات نحوية حديثة قائمة بذاتها ، وحدث تفجير في الدراسات النحوية جعلتها تتلاقى مع علوم المنطق ونظرية الإدراك المعرفي وعلوم الحاسوب والرياضيات وعلم النفس ... وهكذا أصبح للحديث النحوي منبران : منبر اللغويين ومنبر الحاسوبيين .

لكن نحونا العربي ما زال يتخبط بين اجترار بعض أهله ، وارتماء الآخرين في أحضان المجهول .

 إن من مظاهر أزمة الدراسات النحوية :

 

* غياب النموذج النظري الشامل لتحديث النحو العربي ، فقد تركزت معظم الجهود على الجوانب الفرعية ، وقد كان هناك محاولات لتحديث النحو العربي في بداية القرن الماضي تقدمت الإشارة إلى بعضها لم يكتب لها النجاح لغياب الأساس النظري .

 

* تجاهل النظريات النحوية الحديثة ، فقد التزم معظم نحاتنا الصمت تجاه النظريات  النحوية الحديثة ، وربما كان السبب وراء ذلك هو عدم توفر العُدة المعرفية والنظرية من رياضيات متقدمة ومنطق حديث ، ناهيك عن الإغفال شبه التام للغويات الحاسوبية وإنجازاتها الباهرة من معالجة النحو آليا ، وما أدت إليه من كشف كثير من الأسرار النحوية . لقد أغفلت جامعاتنا ومجامعنا ومعاهدنا اللغوياتِ الرياضية واللغوياتِ الحاسوبية والإحصاء اللغوي وبناء النماذج اللغوية ، وتلك بمثابة الهياكل الأساسية للتنظير النحوي الحديث ! (41)

 

* الخلط بين التنظير للغة وأمور تعلمها : هناك خلط واضح بين متطلبات تعليم النحو العربي ومقومات التنظير له ، يقول نبيل علي : " ودعني أسرف القول قليلا لأزعم " أن تعليمنا تنظير ولغوياتنا تربويات " ففي محاولاتهم لتيسير تعلم نحو العربية هاجم البعض مبادئ أساسية في صلب كيان النحو العربي ثبتت صحتها على ضوء النظريات النحوية الحديثة كالإعراب التقديري والاستتار وإعراب المحل ... (42)

 

ولعل من المنطلقات المقترحة لتحديث النحو العربي :

 

* الانطلاق من مبدأ النحو العام ، واستغلال ظاهرة التوسط النحوي للعربية وذلك من خلال الاهتمام بالدراسات المقارنة والتقابلية .

* التحليل المنهجي لعلاقة النحو بالصرف وبالدلالة .

* دراسة النحو كمنظومة متكاملة ، والاهتمام بالعلاقات البينية التي تربط آلياته المختلفة ، والخروج بقائمة متكاملة للسمات الصرفية- النحوية .

* الانطلاق من مدخل الدلالة ( المعنى بشكل عام ) حيث يساعد هذا المدخل على إضافة العمق النظري لكثير من الظواهر النحوية .

* ضرورة تنويع مظاهر التنظير النحوي للغة العربية ، وعدم الانحياز المسبق لبعض المدارس النحوية الحديثة ، إن تعريض نحو العربية لتيارات تنظيرية متعددة بل ومتعارضة أيضا هو الكفيل الوحيد لكشف جوانبه  المتعددة ، والإسراع من حركة الإصلاح النحوي وترشيدها .

* استغلال الحصاد النظري الهائل الذي يتم على صعيد اللغات الأخرى خاصة الإنجليزية والإسبانية والروسية واليابانية والفلندية والعبرية ...

* استخدام الحاسوب في إقامة النماذج النحوية للإسراع في عملية التحديث النحوي .

        *إدخال مناهج اللسانيات الرياضية والحاسوبية والإحصائية في أقسام اللغة العربية بالجامعات والمعاهد العربية (43)

 

إن هذا الاتجاه في البحث يمثل أولوية من أولويات البحث في نحونا العربي ، ويجب أن نميز هنا بين النحو التعليمي الذي ندرسه ، وبين مجالات البحث العلمي ، للمشاركة في التطور العام للتصورات اللغوية التي نفيد منها في إصلاح أحوالنا اللغوية .

 

ب - الاستفادة من النظريات المعاصرة في طرق التدريس :

 

كثير من الذين انتقدوا النحو العربي ، ربطوا تخلفنا اللغوي بطرق تدريس النحو  وتركيزها على الشاهد الذي لا أثر له في الواقع الاستعمالي  ، أو الشعر الذي له لغته الخاصة ، أو الجزئيات والتفريعات التي لا تخدم العلم ولا تراعي مستوى المتعلم ، وحمَّلوا مُدرس النحو بعض الأوزار وجزءا من مسؤولية التخلف العام !

لقد تطورت طرق التدريس وذهبت أشواطا بعيدة في مراعاة طبيعة المادة العلمية ، ومستويات المقصودين بالعملية التعليمية ، ويمكن القول إن التدريس أصبح علما مستقلا يتمثل في الدراسة العلمية لطرق التدريس وتقنياته ، ولأشكال تنظيم مواقف التعلم التي يخضع لها المتعلم قصد بلوغ الأهداف المنشودة ، سواء على المستوى العقلي أو الوجداني ، و يركز علم التدريس أيضا على نشاط كل من المدرس والطلاب وتفاعلهم داخل الصف ، وعلى مختلف المواقف التي تساعد على حصول التعلم ...(44)

كما تَحوّل مجال الاهتمام في العملية التدريسية من المُدرس إلى الطالب ، فبعد عقود ظل فيها محور العملية التعليمية هو المدرس ، بهندامه وحركته ومعلوماته وإيديولوجيته وميوله وظل الطالب متلقيا لا حق له في المشاركة ، يسمع ويعي ويعيد ما سمعه في الامتحان ، إن وعاه ، أصبح اليوم الطالب هو محور العملية التعليمية ومن أجله ُبنيت المؤسسات ولأجله ُوظف المدرسون ، يشارك في العملية التعليمية منتجا ومحاورا ومعلقا ومنتقدا ...

كما تطورت تقنيات التدريس بشكل ملحوظ ، إذ شمل التقدم التكنولوجي جل مظاهر الحياة الاجتماعية بما في ذلك الحياة المدرسية والجامعية وأصبح الحاسوب يوفر إمكانيات هائلة ، وتعددت مجالات استخدامه كهدف تعليمي ، أو كعامل مساعد في العملية التعليمية ، أو كمساعد في الإدارة التعليمية (45) 

لقد اتسعت تطبيقات الحاسوب التعليمية وبخاصة في مجال تعلم اللغات ، وتتراوح البرامج اللغوية ا بين ألعاب الكلمات بغرض تنمية الحصيلة اللغوية لدى المتعلم و المناهج المتكاملة لتعليم قواعد النحو والصرف واكتساب مهارات القراءة والكتابة .

إن استخدام الحاسوب - والقاعات الذكية -  في تعلم العربية بفروعها المختلفة سيزيد من سرعة العمل العلمي ، ويحقق من َثم  المنهجية والموضوعية والدقة كما يساعد في عمليات التقويم المستمر وتصحيح استجابات المتعلم أولا فأول .

وتؤكد الدراسات والأبحاث في هذا الشأن أن الحاسوب دخل في تعليم اللغة العربية ، وقد استخدم في تعداد الكلمات والحروف والتحليل الكمي والتصنيفي للنص اللغوي ، فضلا عن تعلية الأبجدية وأقسام الكلم وإعراب الجمل واستخلاص الجذور وتصريف الأفعال بالإضافة إلى التدريب على تكوين جمل قصيرة ( 46)  واستخدام معالج النصوص في تخزين القرآن الكريم في ثلث حجمه الأصلي ، وفي استرجاع الآيات وفق الموضوعات أو الكلمات ...

وأصبحت البرامج العربية المُحوسبة تضم اليوم بنوكا للمصطلحات والمعاجم اللغوية وبرامج للتحرير والمراجعة اللغوية (47)

 

كما استخدم في مجال الإحصاء اللغوي لبعض الخواص النوعية للغة كمعدلات استخدام الحروف والكلمات والموازين الشعرية وأنواع الأساليب النحوية ... ومثال ذلك المعدل النسبي لاستخدام علامات التشكيل في النص القرآني (48) :

 

الحركة

المعدل النسبي

الفتحة القصيرة

43،92%

الكسرة القصيرة

17،89%

الضمة القصيرة

13،90%

ألف المد ( الفتحة الطويلة )

14،76%

الياء الساكنة ( الكسرة الطويلة )

4،24%

الواو الساكنة ( الضمة الطويلة )

5.39%

 

يوضح هذا النموذج حقيقة حُكم علماء اللغة المسلمين على الفتحة " بأنها أخف الحركات "  كما يوضح إلى أي حد تفيد الاستعانة بالحاسوب في عمليات البحث والتدريس على حد سواء .

    لقد أصبح من الواجب التسلح ، في بحث اللغة ، بكل المناهج والوسائل العلمية والتقنية التي تمكن من درس اللغة وفقهها وكشف أسرارها ، وتسهم في ردم الهوة بين الفصيح والعامي ، عن طريق تعليم فعّال وحديث ومضمون النتائج  وبذلك يكون تعليم اللغة بإمكانه أن " يحدث ما سماه - أحمد حسن الزيات -آثاره الثلاثة :

        أثره العقلي بربط الفكر باللغة

        وأثره النفسي ببعث اللذة من تذوق الأدب

        وأثره العلمي في خلق القدرة على القراءة والكتابة

        وإذا استطاع الشاب أن يقرأ فيفهم ، ويكتب فيُحسن ، ويفكر فيُصيب ، استطاع أن يجد السبيل إلى كل علم ، والدليل إلى كل غاية .

أما تعليم الفصحى بالعامية ، وتحفيظ القواعد ليقرأ الطالب بها كتاب المطالعة دون أي كتاب ، ويكتب بها موضوع الإنشاء دون أي موضوع ، ويدرس الأدب على أنه سجل ولادات ووفيات ، وديوان حوادث وروايات ، فذلك هو الذي كرّه الدارسين في اللغة ، وزهّد الناشئين في الأدب ، وصرف أدباء الشباب إلى آداب غيرهم...(49)

 

غيرأن تبني أي نظرية والتحمسَ لأي نموذج ، لا ينبغي أن يكون على حساب خصوصياتنا الثقافية ، فمثلا ينبغي ألا تكون سيطرة التوجه العقلاني في التعليم وهيمنة النماذج التكنولوجية التي تدعو إلى الضبط والفعالية سببا في إفراغ التعليم من محتواه الأخلاقي ومن بعده الإنساني ، ثم إن الجري وراء المردودية وهوس الدقة والإجرائية ، والذي عادة ما يسقط فيه المتحمسون للنماذج التكنولوجية الحديثة ، ينبغي ألا يكون على حساب مبادئنا ومقوماتنا الروحية والثقافية ، وعلى حساب النظرة الشمولية لقضايا التعليم ولأهدافه ، على أن التحفظ من كل جديد والتشكيك في كل ما يفد علينا ، قد لا يعني في بعض الأحيان سوى ترسيخِ النزوع نحو الاستكانة والجمود (50)

 

 

 

ج - آفاق الدراسات النحوية والمعالجة الآلية لمنظومة النحو العربي :

 

                إن معالجة منظومة النحو العربي آليا موضوع متعدد الجوانب دقيق المسالك ، يصب فيه نتاج كثير من النظريات النحوية الحديثة ، وأساليب الذكاء الاصطناعي المتطورة ، ويعد أولوية من أولويات دراسة النحو التي يجب أن تصرف لها الجهود .

 

لقد ظلت وظيفة النحو منحصرة في تقويم اللسان وضبطه ، وكونه وسيلة من وسائل الفهم عن طريق تفكيك البنى التركيبية للنصوص ، ومع تقدم المعلوميات وانفجار المعرفة الحاسوبية وتطور علم البرمجيات ، أصبح النحو أساسا من أسس المعالجة الآلية لا يمكن تجاوزه ، وسأحاول في عجالة الوقوف على بعض التطبيقات التي يطمح إليها العمل الحاسوبي مرتكزا على النحو :

 

1-     الترجمة الآلية :

2-     القراءة الآلية للنصوص :

3-     التحليل النحوي والتشكيل الآلي :

4-     المصحح الآلي للأخطاء النحوية :

5-     تعليم النحو بواسطة الحاسوب :

 

1-     الترجمة الآلية :

تعد الترجمة الآلية إحدى الغايات النهائية التي تصب فيها معظم روافد نظم التحليل والتركيب اللغويين ، لذا ، وبجانب كونها تطبيقا قائما بذاته ، ينظر البعض إليها كنموذج آلي شامل للمنظومة اللغوية ، يمكن استخدامه كمعمل للاختبارات والتجارب اللغوية ، وقاعدةٍ فعالة للمعارف اللغوية بالنسبة لبحوث اللسانيات المقارنة والتقابلية(51)

 

لقد نشأت الحاجة للتحليل النحوي الآلي مع ظهور الترجمة الآلية ، وفي البداية ساد الاعتقاد بعدم الحاجة للتحليل النحوي والاكتفاء بتمييز النمط التركيبي للجملة بمقارنته بأنماط جمل معيارية يتم تخزينها في قاموس خاص ، بحيث تغطي الحالات التركيبية المختلفة التي يتعامل معها نظام الترجمة الآلية ، وكان لابد لأسلوب الأنماط أن يفشل ، حيث يتناقض في جوهره مع لانهائية التركيبات اللغوية ، وهو بالقطع لا يتناسب مع العربية نظرا لمرونتها النحوية ، وما يتبعها من تعدد التنويعات النحوية بصورة يتعذر معها حصر الأنماط (52)

 

يقوم المحلل النحوي الآلي في الترجمة الآلية من العربية إلى اللغات الأخرى بتحديد بنية الجمل العربية تهيئة لتحديد المكافئ لها في لغة الهدف ... وتعد الترجمة الآلية ما بين العربية والإنجليزية أهم مجالات تطبيقها بالنسبة للمستخدم العربي ، ونظرا للاختلاف الجوهري في نظام اللغتين النحوي ، يتطلب ذلك صياغة رسمية ودقيقة لقواعد " نحو التحويل " أو " نحو النقل " بينهما (53)

تواجه الترجمة الآلية كثيرا من المشكلات اللغوية والفنية من أهمها : التباين في طبيعة تراكيب الجمل بين مختلف اللغات ، وبخاصة تلك التي تنتمي إلى فصائل لغوية متباينة كالعربية والإنجليزية  مثلا ، ويمكن أن تذلل معظم هذه المشاكل عن طريق تطور الأبحاث النحوية ، وقواعد البيانات والمعارف .

 

2- القراءة الآلية للنصوص :

تمثل القراءة الآلية للنصوص الشق التحليلي ، ويقصد بها القدرة على تمييز أنماط حروف الكتابة آليا إذ يتم تكبير هذه الحروف ومسحها إلكترونيا باستخدام معدات القراءة الضوئية ، وذلك لاستخلاص ملامح أشكالها ، ثم مقارنتها بتلك المخزنة بمختلف أنماط الحروف ، ويمكن تصنيف نظم تحليل الكتابة إلى النظم الخاصة بتمييز الكتابة المطبوعة والنظم الخاصة بتمييز الكتابة بخط اليد (54)

ويتعلق الأمر بتطوير نظام يتعرف المحارف ، والهدف منه إكساب الحاسوب مهارة القراءة الصحيحة للمحارف سواء منها المطبوعة أو المخطوطة ، وتستخدم هذه التقنية عددا من كبيرا من خوارزميات التعرف تتعلق  في مجملها بتقنية معالجة الصور، و لهذه التقنية نتائج كبيرة على أكثر من صعيد إذ ستمكن من توثيق جميع النصوص التي دونت على مر العصور، كما ستمكن من تقديم خدمة كبيرة لمحققي النصوص العربية الذين يعانون كثيرا من تفريغ المخطوطات على الورق قبل إدخالها للحاسوب ، ولا يخفى أثر هذا العمل إذا نجح على تراث الأمة الذي ما نزال نعاني من قراءته بسبب وضعه المخطوط (55)

ويتصل بهذه التقنية الإملاء الآلي باللغة العربية ، والتحقق من هوية المتكلم ، والترجمة الفورية ، والحوار المباشر مع الآلة بدل استخدام لوحة المفاتيح  في الحاسوب أو التلفون المحمول ...

 

       3- التحليل النحوي والتشكيل الآلي :

لا شك أن الأمور المتعلقة بتشكيل الكتابة العربية هي أكبر المعضلات أمام نظم معالجتها الآلية ، وحتما هي في أمس الحاجة إلى دراسة مستفيضة ومتعمقة ،لا تقف عند حدودها التربوية  دون سواها كما فعلت معظم الدراسات السابقة ، فما زالت معظم جوانب هذا المشكل اللغوي غامضة ومشتتة وذلك نظرا لوقوعها في منطقة التشابك بين نظم الكتابة والصرف والإعراب ومنهجيات تعليم اللغة العربية (56)

ويرتبط بمسألة التشكيل ، الإعراب الآلي / التحليل ، إذ فيه تمتد مهمة النظام الآلي لتشمل تحديد بنية الجملة من حيث هيكليةُ مكوناتها ووظائفُ عناصرها ، وكذا تحديد مواضع التقديم والتأخير والحذف واستنباط ما حذف والتعويض عن المفهوم سلفا ... إن على المحلل النحوي الآلي في وضعه المثالي توفيرَ جميع المعطيات اللازمة للتحليل اللغوي الأعمق ، ونقصد به عملية الفهم الأوتوماتيكي لمضمون الجمل والسياق ، فضلا عن الحكم على الجمل بالصحة النحوية أو عدمها .

تمثل عملية التوليد النحوي أحد المقومات الرئيسية لتوليد النصوص آليا ، وهو أحد التطبيقات التي تتعاظم أهميتها مع التوسع في استخدام أساليب الذكاء الاصطناعي ونظم قواعد المعارف (57)

 

     4- التصحيح الآلي للأخطاء النحوية :

            من المعروف أن التصحيح الآلي للأخطاء الإملائية يتم باستخدام المعالج الصرفي الآلي، وقد أثبت عدم كفايته لاكتشاف جميع الأخطاء التي ترد في النصوص ، خاصة بالنسبة للغة كالعربية تتميز بحدة التآخي النحوي الذي يربط بين كلمات الجملة ،  وهو يعمل على مستوى الكلمة ، ولذا لا يمكنه اكتشاف أخطاء مثل " المواطنون السلبيين يوكل مصيرهم إلى واضعون القوانين " ففي هذا المثال أخطاء نحوية لا يمكن للمصحح الإملائي أن يكتشفها ، حيث لا يهمه إلا صحة الكلمات المفردة (58)

            أما المصحح الآلي للأخطاء النحوية فإنه يقوم باكتشاف الخلل النحوي ، وهذا يتطلب إضافةَ إمكانياتٍ جديدةً للمعالج النحوي ، ليتمكن من التعامل مع حالات الخطأ المختلفة ، وربما تطلب ذلك وضع مجموعة من القواعد لتوصيف الحالات الشائكة للخطأ النحوي ، وفي أغلب الظن سيتم وضع هذه القواعد على أساس تلك الخاصة بالسلامة النحوية ، حيث معظم الأخطاء النحوية ما هي إلا انحراف طفيف عن النمط السليم للجمل، وعلى الباحثين اللغويين والحاسوبيين مهمة وضع نظام قواعد للانحراف النحوي في العربية المشكولة وغير المشكولة  (59)

         

5- تعليم النحو بواسطة الحاسوب :

يعد المعالج النحوي  الآلي للغة العربية مقوما أساسيا لتعليم اللغة العربية ، وذلك لقدرته على إكساب عملية التعليم المذكورة طابع المرونة والتجدد والحوار ، فيمكن للطالب أن يدخل جملا للنظام الآلي ليقوم المحلل بتحليلها أو الحكم على صحتها ، أو يقوم المولد الآلي بتوليد جمل من قاعدة معارف أو قاعدة بيانات ليقوم الطالب بإعرابها ، ويمكن استخدام المصحح النحوي الآلي كذلك لتصويب الأخطاء الشائعة لدى الطلاب وحصر أخطائهم النحوية .

إن ثالوث المعالج الصرفي الآلي والمعالج النحوي الآلي والمعجم العربي المميكن ...هو بمثابة القاعدة الأساسية التي يمكن إقامة سلسلة من البرامج التعليمية " الذكية " عليها ، لتعليم اللغة العربية باستخدام الحاسوب ، وبتوفير هذه الأدوات يجب على التربويين العرب استغلال إمكانياتها العديدة في التصدي للمشكلة المزمنة لعزوف الكثيرين عن تعلم لغتهم وإتقانها (60)

 

إن هذه الاستخدامات والطموحات المغرية ، في حاجة إلى جهود مضنية من قبل اللغويين عموما والنحويين خصوصا ، ولاشك أن في تحقيقها الخير العميم والنفع الكبير والخدمة الجبارة للغة القرآن الكريم ، ولعل من المشاكل التي تواجه هذه التطبيقات ، و يعد البحث في حلولها من الأولويات  :

 

     -  غياب صياغة رسمية للنحو العربي

     -  إسقاط علامات التشكيل في معظم النصوص العربية

-  تعدد حالات اللبس النحوي وتداخلها الشديد

-  المشاكل الناجمة عن المرونة النحوية للعربية

-  حدة ظاهرة الحذف النحوي

-  قصور المعجم العربي نحويا ودلاليا

-  تعدد العلامات الإعرابية وحالات الجواز والتفضيل

-  عدم توفر الإحصائيات النحوية (61)

 

ومع كل ذلك ، فإن قدرة اللغة العربية على استيعاب تقنيات الحاسوب ، أمرلا يحتاج اليوم إلى دليل بعد أن أثبتت الدراسات النظرية والتطبيقية الأخيرة أن العربية لا تختلف عن اللغات العالمية في التعامل مع كل جديد في مجالات الثورة الحاسوبية المتطورة .

وقد كان أولى بنا أن نقود هذه الثورة النحوية - بدلا من أن نظل أسرى استرخائنا الفكري ننظر إليها من مقاعد المشاهدين -  لتحديث النظرية النحوية العربية ، حتى نتمكن من مواجهة طغيان الأساس الإنجليزي واكتساحه  لتقنيات الحاسوب والمعلوميات ، ابتداء من تصميم لغات البرمجة ، إلى تصميم أساليب تخزين المعلومات  إلى صناعة البرامج التعليمية والترفيهية ، إلى إعداد الإصدارات من مصادر ومراجع ودوريات ...

 

5-    خلاصة رحلة الأولويات ، وترشيد البحث العلمي في الدراسات النحوية :

وختاما، فإن الحرص على التفكير في الأولويات وترتيبها ، دليل على النضج المنهجي والرؤية السديدة لطبائع الأشياء ، وهو من السنن التي أصبح العالم المتحضر ينهجها لتحقيق الأهداف بأيسر الطرق وأسرعها .

إلا أن وضع الأولويات من المفروض أن يكون من اختصاص علماء الأمة ومؤسساتها وجامعاتها مجتمعين ، ضمانا للتنفيذ الجيد والمحكم ، وتيسيرا لأمر المتابعة .

و في غياب الأمة والمؤسسات في مجتمعاتنا، يجتهد المتخصصون فرادى في تسطير الأولويات َوفق ثقافتهم وميولهم العلمي .

كما يختلف ترتيب الأولويات باختلاف التصورات والخلفيات الثقافية والعلمية والإيديولوجية  لواضع الأولويات، ولذلك قد يكون ما أراه من الأولويات مهملا لا قيمة له عند غيري ، والعكس صحيح !

تتنوع محاور الأولويات في الحقل الواحد ، لصعوبة الترتيب الميكانيكي ، بل واستحالته أحيانا ، ولذلك لا مانع أن يكون للأمر الواحد أكثر من أولوية ، ولا تعارض ولا مشاحة في ذلك ، حتى لا نسقط في التعطيل والانتظار ، انتظار تحقق الأولوية الأولى بشروطها أو استكمال تنفيذها .

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

6-    الهوامش والإحالات :

*  أفدت في إعداد هذا البحث من ثلاثة كتب رائدة في مجال تتبع حركة الإصلاح النحو في الوطن العربي ، في إصلاح النحو العربي لعبد الوارث مبروك سعيد 1985 ، وتيسير النحو التعليمي قديما وحديثا لشوقي ضيف 1986، والنحو التعليمي في التراث العربي لمحمد إبراهيم عبادة 1987، وهي كتب تستحق التنويه

(1) تيسير النحو التعليمي قديما وحديثا  ، ص 3

(2) إحياء النحو لإبراهيم مصطفى ، المقدمة

(3) تاريخ الدعوة إلى العامية نفوسة زكريا ص 20 وانظر الخلفية  الاستشراقية للدعوة إلى العامية ص 68

(4) مشكلة الإعراب ، طه حسين ص 90

(5) مشكلة الإعراب ، طه حسين ص 97

(6) البحث السابق  ص 99

(7) لغتنا في أزمة ، أحمد حسن الزيات ص 47

(8) تاريخ الأستاذ الإمام 2/481، وانظر نحو التيسير دراسة ونقد منهجي ، أحمد     عبد الستار الجواري ص 9

 (9)  النحو العربي بين التطوير والتيسير ص 231، وانظر محنة اللغة العربية لإبراهيم علي أبو الخشب ، ومشكلات اللغة العربية لمحمود تيمور

 

.