تطلع علينا بين الفينة والأخرى كتابات لباحثين عرب يحاولون تحت دعوى التجديد والتحديث نقض أسس الثقافة العربية وركنها الركين أي اللغة العربية . ومن بين الكتابات التي أثارت انتباهي في هدا المجال مقالة : هشاشة لغتنا العربية أمام التطور الحضاري : اللغة العربية والناطقون بها في قفص الاتهام  لصلاح الصوباني . وقد نشرتها مجلة الطريق نحو الحرية والسلام التي تصدر عن ما يدعى بتحالف السلام الفلسطيني في عددها الثلاثين نوفمبر 2005. وعودتنا لهدا المقال القديم نسبيا أتت من كونه يمثل تيارا حاضرا داخل الساحة العلمية العربية ولكونه حاول قولبة اللغة وفق مفاهيم سياسية . ودون أن ندخل في آراء التنظيم وهويته التي تحوي في ثناياها عناصر من تيار الاستسلام ، والعديد من المفكرين القوميين والعلمانيين نركز في عرضنا هدا على المقال المنشور.  وتعميما للفائدة وفتحا للنقاش حول موضوع يرتبط أشد الارتباط بهويتنا الحضارية ووجودنا التاريخي رغبنا في نشر أهم محاور هدا المقال قبل أن نناقشها .                                                                                   

1 ـ عناصر الهشاشة وحلول القطيعة :

ينطلق المقال من طرح إشكالية تأزم البناء اللغوي العربي ومأزقه في مواكبة التطورات الحضارية التي عرفتها البشرية مند عصر التدوين وحتى العصر الحالي . ودلك عبر السؤال المحوري : هل المشكلة مشكلة اللغة أم مشكلة الناطقين بها ؟ والإجابة الواضحة حسب صاحب المقال هي أن الأزمة أزمة الطرفين معا . وقد اعتمد في الإجابة على المحاور التالية  :

أ ـ المسلمة المركزية لصاحب المقال هي الارتباط العضوي بين خصائص اللغة وخصائص الأمة التي تتكلم بها . و"ليس فقط منظومة مفردات اللغة تؤثر في طريقة رؤية أهلها للعالم وطريقة تفكيرهم بل أيضا نحوها وقواعدها وتركيبها . إننا نفكر كما نتكلم".

ب ـ الارتباط الجدلي بين نظام اللغة المعجمي ومكونات المحيط الخارجي ."فالأعرابي ابن الصحراء يتوفر في لغته على عدد هائل من الكلمات التي تخص الحرارة والصحراء في حين أن شعب الإسكيمو على سبيل المثال يتوفر في لغته على عدد هائل من الكلمات التي تخص عالم الثلج بينما لا يتوفر في لغتنا العربية إلا على كلمة واحدة تخص الحرارة". لدا اتسمت العربية بالحسية تعكس طريقة تفكير الأعراب البدو .

ج ـ لقد أدى تدوين العربية وتقنينها في عصر التدوين إلى تحجيم اللغة وعدم مسايرتها للتطور الحضاري من خلال تقييدها بما تم جمعه وضبطه في القرون الأولى. وكلما كان الكلام منسوبا إلى فترة أوغل في القدم كلما كان مقبولا ومطلوبا . "لقد اعتبر المدونون أن كل ما هو قديم علامة على الجودة . أما الكلام الحديث والمعاصر فمحكوم عليه بالتزييف والرفض والإنكار ". لدا كانت العربية لا تاريخية لأنها لا تستجيب للتطور والتغير المستمرين .

د ـ " إن من يقيس المجتمعات العربية الإسلامية المتحضرة بقياس اللغة العربية التي حفظتها لنا المعاجم سيجد نفسه مضطرا للحكم عليها بأنها كانت مجتمعات صامتة". وهدا يعني وجود قطيعة معرفية بين العربي والعربية ، لأن عالم الإنسان المعاصر ترسمه روايات الأعرابي ابن البيداء والصحراء.

هـ انتقمت العربية من هدا التحنيط الأعرابي بخلق لهجات عامية ودارجة تساير التطور وتعبر عن مكنون الإنسان العربي . مما أدى إلى تمزق شخصية العربي بين لغة فصحى للكتابة والتفكير وعامية للتعبير والممارسة اليومية . والمأزق الحقيقي والمعبر عن هشاشة العربية هو أن العامية بالرغم من غناها الظاهري تظل قاصرة لكونها ليست لغة ثقافة وفكر.

وفي الأخير يدعونا صاحب المقال بعد هده الجولة التحليلية إلى حلول يراها إجرائية نوجزها كالتالي :

ـ رفع القيود عن المفردات الأجنبية وإدخالها في صلب اللغة الفصحى .

ـ الاعتراف باللغة العامية التي تتكلم بها الشعوب العربية واعتبارها لغة فصحى .

ـ استلهام التجربة التركية في مجال تحويل الأحرف إلى اللاتينية مما سمح لها بإدخال جميع المفاهيم الحضارية .

والآن من حقنا أن نتساءل : ما هي حدود الجدة في التصور الذي يطرحه صاحب المقال ؟ وإلى أي حد يمكن من خلال حلوله المقترحة النهوض بواقع العربية في عالم التكنولوجيا والتطور ؟

2 ـ اللغة العربية والوعي : حقيقة اللاتاريخية .

إن المقال المثير هذا يطرح على الباحث اللغوي التجرد من سلاح الانتماء لمناقشة القضايا المطروحة بشكل شعاراتي وبسيط إلى حد السذاجة. فالمقال منشور في إحدى المجلات المهتمة بالتصالح مع الكيان الصهيوني . وهدا في حد ذاته يبين عن موقعه داخل المشروع الاستسلامي الذي يريد هدم كل عناصر القوة والمنعة في الذات العربية ويعمل على تقويض أركان الممانعة العربية في هوية الأمة . أي أن الحديث عن العربية ليس حديث مختص في البحث اللغوي أو الفكري الذي يبحث عن معيقات النهوض ويقترح مشاريع للصمود ، بل هو على العكس من دلك يحاول قدر الإمكان الإجهاز على جميع عناصر القوة وإعادة بناء هوية جديدة غير تلك التي تأسس عليها مشروع الأمة . فعن أي عربية يتحدث صاحبنا ؟ هل عربية القرآن أم عربية الصالونات والنقاشات النظرية ؟

إن الطريقة التي صيغ بها المقال تبرز أن كلام صاحبه ينقصه التركيز العلمي والدقة في طرح الآراء . فما يقلق راحته ويدفعه إلى مثل هدا الحديث هو النظرة الاستعلائية لواقع عربي متأزم ويجد الحل في ضرورة التخلي عن جمود اللغة حتى يتحرك الفكر ويبدع . وكأن العربية هي العائق والحاجز دون هدا التطور المنشود. وهدا يجعل نظرته محدودة وأحادية الجانب. فمتى كانت اللغة سبيلا للنهوض ؟ وهل اللغة هي عامل التطور والنهضة الحضارية أم هي نتيجة طبيعية لواقع الأمة ؟ وقد قيل قديما : اللسان صورة الزمان . وهدا يعني أن الأمر ينبغي عكسه والنظر إليه من طريق إشكالي آخر هو أن اللغة تتبع أهلها في التطور والتخلف . فمتى كان القوم أحياء كانت لغتهم ووسيلة تخاطبهم حية تتمتع بقابلية السيادة على باقي الألسنة . لكن حين يكون القوم متخلفين وخارج سرب التطور تكون لغتهم محنطة وجامدة وبعيدة عن الوجود . والنماذج أمام أعيننا عديدة لعل أبرزها اللغة الإنجليزية التي تسود عالم التقنيات والاقتصاد والتي لا تحمل في ذاتها علامات قوتها بل قوتها بقوة متكلميها . وعند الوقوف على الوضع التاريخي للعربية ، قد لا نختلف كثيرا في المقدمات النظرية لصاحب المقال بأن اللغة تعبير عن واقع معين وطرق العيش فيه وكيفية تشكله . وقد نستدل في هدا المجال بقول الفيلسوف الألماني فيخته : " إن الحدود الأساسية التي تستحق التسمية باسم الطبيعة هي الحدود الداخلية التي ترسمها اللغات ، فإن الذين يتكلمون اللغة الواحدة يرتبط بعضهم ببعض بحكم نواميس الطبيعة بروابط عديدة فيكونون كلا لا يقبل الانفصام "1. إذ إن العلاقة التي تقيمها اللغة بين الفرد والطبيعة تجعلها حاملة العديد من الأبعاد الاجتماعية والنفسية والفيزيائية ، فتحيل في آن واحد على تركيب العالم ومكونات العقل الانساني . فاللغة أو الكلام وفق فهم المناطقة والأصوليين والمتكلمين هي مجموعة من العلامات الدلالية التي تبرز من خلال أشكالها التأليفية القوانين التي تحكم العقل والطبيعة أو الكون . ولذا نجد جل الحدود التي أعطيت لمصطلح اللغة تحيل على جانبين : جانب الماهية وجانب الوظيفة. فإذا أخدنا مثلا تعريف ابن جني :  "اللغة هي أصوات يستعملها كل قوم للتعبير عن أغراضهم" 2، وجدناه يؤكد على الطابع الصوتي للكلام الإنساني ودوره الاجتماعي . وأظن أن صاحب المقال  بنى رؤيته على وصف العربية بسمتين قدحيتين : الحسية واللاتاريخية . حيث طبعت في وضعها وتقنينها بنظرة المتكلم الأعرابي للكون والحياة . وأظنه في هدا لم يأت بجديد بل كان مكررا لما قاله الأستاذ محمد الجابري مند عقود في مؤلفه المشهور "بنية العقل العربي" وكرره في "مواقف" حيث يقول :" إن الصورة التي تقدمها اللغة العربية لأهلها ستكون مطبوعة بطابع حياة الأعرابي ، لأن اللغة جمعت من بيئة الأعرابي ومحدودة بحدود هده البيئة . وإذن فالصورة التي ستكون للإنسان العربي عن العالم ستكون مطبوعة بهدا الطابع .لنأخذ مثلا فصيلة السمك . نحن نعرف أننا لا نتوفر في اللغة العربية على رصيد كاف لتمييز بين أنواع الأسماك ، بل كل شيء سمك ، بخلاف الإسباني مثلا فهو يرى في الأسماك عالما متنوعا يزخر بالحياة . أما نحن فنرى شيئا واحدا . لمادا ؟ لأن اللغة العربية جمعت من وسط واحد من الجزيرة العربية، من البادية حيث لا أسماك . ...وهدا خلاف الجمل مثلا : فالجمل بالنسبة للعربي أنواع : هده ابنة سنة ، هده ابنة لبون الخ، عالم من الجمال ، قاموس خاص بالجمل3" .ويستمر الدكتور الجابري في قراءته للعقلية العربية بحثا عن مواقع التنوير للقول :"وبما أن لغتنا جمعت من الأعراب أي من مجتمع بدوي معين فالصورة التي ستقدمها لنا شئنا أم أبينا هي صورة العالم البدوي عالم حسي وبالتالي فالفكر العربي في عمقه حسي . نحن الدين نشتغل بالفلسفة نشعر بهذا ، فاللغة لا تسعفنا بالكلمات الكافية للتعبير عن المفاهيم الفلسفية المجردة 4". وإذا علمنا بأن هدا التحليل قد نشر في الثمانينيات يدفعنا إلى التساؤل : ماذا بقي لصاحب المقال من اجتهاد ؟ وما هي حدود الإبداعية في مقال الهشاشة ؟ إنها الهشاشة بالتأكيد ؟ لأن الذي بقي هو التوظيف الإيديولوجي لأفكار أحد رواد الفكر العروبوي القومي . سواء اتفقنا أو اختلفنا مع الجابري فإن الأكيد هو أن الدكتور صاحب مشروع نظري لمقاربة العقل العربي في مستوياته المختلفة : الديني ، الفلسفي ، السياسي والأخلاقي. وما فعله صاحبنا هو أنه أخد واستنسخ أقوال الجابري وأمثلته دون إحالة للتعبير عن رأي خنوع واستسلامي وضرب في مقومات الهوية .

3 ـ قيود الفصاحة العربية في البحث القديم .

وإذا عدنا إلى مناقشة أفكار المقال بعيدا عن إحالاتها نقول بأن الدارسين العرب القدامى لم يكن عملهم عفويا أو اعتباطيا ، بل إنهم  حددوا لعملهم قواعد وأصولا  تبرز عمق فهمهم للدراسة العللمية وللمادة المدروسة وتتلخص أساسا في شرط الفصاحة . حيث اعتبر المتكلم العربي ابن الصحراء متكلما مثاليا تتحقق فيه شروط النقاء اللغوي والطهر اللساني في جميع المستويات الإفرادية والتركيبية والذاتية . . و هذا ما يشير إليه السيوطي بقوله : " و أما كلام العرب فيحتج منه بما ثبت عن الفصحاء الموثوق بعربيتهم "5. و قول ابن الأنباري : " الكلام العربي الفصيح المنقول النقل الصحيح الخارج عن حد القلة إلى حد الكثرة " 6. حيث مدار البحث هنا هو المنقول عنه و الناقل . وحددوا نوع الفصحاء الدين يمكن الأخذ عنهم وفق قيودا ثلاثة :

ـ القيد الجغرافي : لعل الفكرة المؤسسة لجغرافية الفصاحة في أذهان الباحثين القدامى هو تنزيه الكلام العربي الرصين عن كل المؤثرات الأجنبية التي تخل بنقائه و طهارته . و لذلك حددت القبائل التي يجوز الأخذ عنها و التي تشترك جميعها في شرط واحد  هو الابتعاد عن حدود الأمم الأجنبية وعدم الاختلاط بها. و قد نقل السيوطي عن الفارابي نصا تفصيلا لمجال العربية الفصيحة  7. و إذا كان من الصعوبة تصور قبيلة عربية منعزلة في كبد الصحراء وبعيدة عن كل المؤثرات الأجنبية ، فإن ما يفهم من التصنيف الجغرافي لقبائل الاستشهاد هو ألا يكون الاتصال الحضاري مؤديا إلى التخلي عن مقومات الهوية العربية . لذا جعلت قريش في مقدمة الناطقين الخلص لاعتبارات عقدية و دينية . يقول ابن فارس :" أجمع علماؤنا بكلام العرب و الرواة لأشعارهم و العلماء بلغاتهم و أيامهم و محالهم أن قريشا أفصح العرب ألسنة وأصفاهم لغة وذلك أن الله جل ثناؤه اختارهم من جميع العرب واصطفاهم واختار منهم نبي الرحمة محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ، فجعل قريشا قطان حرمه و جيران بيته الحرام و ولاته "8

ـ القيد المكاني : ترتبط الفصاحة في أذهان الدارسين القدامى بالبداوة . حيث يعتقد أن اللغة الفصيحة لا تتوفر إلا عند البدوي ابن البيداء و القفار حيث لا يتعرض كلامه للتغير أو التبدل بفعل الاتصال الاجتماعي بالأقوام الأخرى أو الترف الحضاري الذي يمس ملكة أهل المدن . يقول ابن جني : " باب في ترك الأخذ عن أهل المدر كما أخذ عن أهل الوبر : علة امتناع ذلك ما عرض للغات الحاضرة و أهل المدر من الاختلال و الفساد و الخطل . و لو علم أن أهل مدينة باقون على فصاحتهم و لم يعترض شيء من الفساد للغاتهم لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر . و كذلك أيضا لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة و خبالها و انتقاض عادة الفصاحة و انتشارها ، لوجب رفض لغتها و ترك تلقي ما يرد عنها . و على ذلك العمل في وقتنا هذا ، لأنا لا نكاد نرى بدويا فصيحا و إن نحن آنسنا منه فصاحة في كلامه ، لم نكد نعدم ما يفسد ذلك و يقدح فيه ، و ينال و يغض منه "9.. إذ الاعتقاد الراسخ لدى العلماء أن المدينة موطن فساد الألسنة ، لذا لم يؤخذ عن قرشي أو بصري أو كوفي أو غيره ...، بل عن الأعرابي الذي طالت إقامته في الحاضرة لا يلتفت إلى كلامه ، باعتباره أطال المكث في موطن الفساد اللغوي . لذا كانت رحلات العلماء أمثال أبي عمرو بن العلاء و يونس بن حبيب و الخليل و الأصمعي و الكسائي و غيرهم ، بحثا عن العربية في موطنها الصافي الذي لم يصله بعد خبال المدنية . و الواقع أن المعيار المكاني تحدده فكرة مبدئية هي اعتبار البدوي مصدر الحقيقة العربية ، ذا تم التمييز بين القبائل حسب جودتها اللغوية دون الالتفات إلى سكان الحواضر . و الظاهر أن هذا السلوك مؤسس على نظرية البداوة أصل الحضارة ، و سكان البادية أساس البناء المدني . و هو ما عبر عنه ابن خلدون بقـوله : " أن البدو اقدم من الحضر و سابق عليه ، و أن البادية أصل العمران و الأمصار مدد لها ..... و لأن الضروري أصل و الكمالي فرع ناشيء عنه ، فالبدو أصل للمدن و الحضر و سابق عليهما لأن أول مطالب الإنسان الضروري ، و لا ينتهي إلى الكمال و الترف إلا إذا كان الضروري حاصلا . فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة ..."10. و هذا الاعتبار يجعل كل الخصال الحميدة من حظ البدو الذين لا زالوا على فطرتهم و مهيئين لقبول كل الشيم . فكان " أهل البدو اقرب إلى الخير من أهل الحضر " 11، و " أهل البدو أقرب للشجاعة من أهل الحضر "12... و هكذا دواليك . و في نفس السياق يعتبر البدوي أس الفصاحة العربية و أصل السلوك اللغوي السليم حتى غدا كل مستعمل للسان الضاد لم يكن إلا محاكيا لساكن البيداء و ناسجا على سمته و منواله . و كان النحاة يتنافسون في الأخذ عن " حرشة الضباب و أكلة اليرابيع وهؤلاء (أي الكوفيون) أخذوا اللغة عن أهل السواد أصحاب الكواميخ و أكلة الشواريز "13. حيث الإغراق في البداوة و التوحش يعتبر قيمة لازمة للفصاحة .

ـ القيد الزماني : حيث يحدد بموجبه عصر الاستشهاد الذي حافظت فيه اللغة على فصلحتها . فنظرا للظروف التاريخية التي عاشها المجتمع العربي خلال احتكاكه بالأمم الأجنبية ، وضع علماء العربية حدودا تاريخية لزمن الفصاحة يمتد من الجاهلية إلى نهاية العهد الأموي أي القرن الثاني الهجري . و لهذا صنف الشعراء إلى طبقات أربعة :الشعراء الجاهليون ،و المخضرمون ،و الإسلاميون ، و المولدون أو المحدثون14. و قد أجمع البصريون و الكوفيون على جواز الاحتجاج بشعر الطبقتين الأوليين ، و إن كان من بينهم من طعن في شعره كعدي بن زيد و أبي ذؤاذ الإيادي " لأن ألفاظهما ليست نجدية " 15.. أما طبقة الإسلاميين فمعظم اللغويين و النحاة يرون صحة الاحتجاج بشعرها و إن كان عمرو بن العلاء و عبد الله بن أبي إسحاق يلحنون الكميت و ذا الرمة و أضرابهما16 . أما فيما يخص طبقة الحداثة فقد نقل السيوطي الإجماع على عدم جواز الاستشهاد بشعرها ، حيث اتفق الباحثون القدامى على أن آخر من يختم به عصر الفصاحة هو إبراهيم بن هرمة ، و أول شعراء الحداثة هو بشار بن برد17. و قد شذ عن هذا الوقف العام جار الله الزمخشري حين أجاز الاستشهاد بشعر أبى تمام و هو من شعراء الحداثة . و كأنه أحس بشذوذ موقفه فعلل ذلك قائلا : " و هو وإن كان محدثا لا يستشهد  بشعره في اللغة فهو من علماء العربية مما جعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه " 18.

4 ـ التطور اللغوي في العربية : 

لعل ضبط زمن الاستشهاد في مدة تربو على أربعة قرون يطرح إشكال التطور الذي عرفته العربية خلال هذه المسافة الزمنية ." و مما يرقى إلى مرتبة اليقين أن اللغة الفصحى قد شهدت في هذه الحقبة تطورا في تراكيبها و مفرداتها و دلالاتها و أساليبها يشهد على ذلك أن الذين رووا اللغة و الذين نظروا في ألفاظها و طرقها قد أشاروا على الغريب و المهجور الذي بطل استعماله و إلى الدخيل الذي طرأ استعماله . و بين ما يصل و ما طرأ لا بد أن يكون هناك تطور "19.. و إذا وضعنا في الاعتبار الغاية الحضارية لدى النحاة ، و التي مفادها الحفاظ على عروبة النص القرآني ، نفهم الفكرة المؤسسة لهذا التحديد الزمني هو البحث عن وقت نقاء العربية من كل دخيل ، و الذي حدد تاريخيا مع تأسيس الدولة العباسية و بداية سيطرة الأعاجم على مراكز القرار .

و يبدو من خلال المعايير الثلاثة أن النحاة قد حاولوا ، من خلال الجمع اللغوي ، رسم صورة العربي الفصيح جغرافيا زمانيا و مكانيا ، الذي يمكن الأخذ عنه و القياس على كلامه . فالمتكلم المثالي في عرف العلماء هو الأعرابي ابن البادية و المنتسب لقبائل وسط الجزيرة العربية في الزمن الذي بين عهد امرئ القيس و نهاية الدولة الأموية . و بهذا الضبط تحدد معالم المنقول عنه الذي يتوفر على ملكة لسانية تعتبر أرقى ما أنتجه تاريخ العربية ، و كل مستعمل للسان الضاد لا يعدو محاكيا للأعرابي في طريقة تصرفه النطقي و كيفية تأليفه لمكونات اللغة ، حتى اعتبر بحق مصدر الحقيقة العربية يحتل نفس المكانة التي منحت للنبي في هيكل الحقيقة الدينية . حيث ساهمت مختلف النقول و الروايات في الإعلاء من شأن الأعرابي ابن الصحراء و جعله المتحكم في مسار الكلام العربي ، بل إنه المؤسس لشكل معالجته و تفسير هيئاته . " فليت شعري إذا شاهد أبو عمرو و ابن أبي إسحاق و يونس و عيسى  بن عمرو و الخليل و سيبويه و أبو الحسن و أبو زيد و خلف الأحمر و الأصمعي و من في الطبقة و الوقت من علماء البلدين ، وجوه العرب فيما تتعاطاه من كلامها ، و تقصد له من أغراضها ، ألا تستفيد بتلك المشاهدة و ذلك الحضور ما لا تؤديه الحكايات ، و لا تضبطه الروايات فتضطر إلى قصود العرب ، و غوامض ما في أنفسها ، حتى لو حلف منهم حالف على غرض دلته عليه إشارة لا عبارة ، لكان عند نفسه و عند جميع من يحضر حاله صادقا فيه ، غير متهم الرأي و النحيزة و العقل20. و هذه القدسية المؤطرة للعربي الفصيح تجعل كل كلامه مأخوذ على سبيل الإطلاق دون المراجعة أو التقيد بقواعد النحو ، متى توفر ضابط واحد هو الفصاحة .

لكن هل هدا يعني إهمال التطور وتحنيط العربية في نصوص وقوالب جامدة ؟ وهل تحديد الزمن الفصيح يعني أن كل آت بعده هو مرفوض؟

الإجابة على مثل هده التساؤلات تفترض معرفة الغرض الأصلي من هدا العمل والدي يتفق غالبية الباحثين على أنه الحفاظ على النص القرآني ومحاربة اللحن الدين كاد يضيع أصول النص ودلالاته . حتى أمكننا وصف الحضارة العربية بأنها حضارة نص تأسست حول القرآن عقيدة وسلوكا وتشريعا واستنباطا . لكن هدا لا ينفي التطور لكن وفق قواعد لا تنفي الجوهر العربي الأصيل وقد تحدث فقهاء اللغة عن طرق كثيرة وواسعة للتجديد اللغوي . لعل  المتون العربية تفيدنا في كيفية التعامل مع الألفاظ الدخيلة . فمن دلك لفظة الصراط في قوله تعالى : "اهدنا الصراط المستقيم  "فقد قالوا عنها إنها رومية وحملوا عليها القسطاس والفردوس واعتبرها السامرائي من اللاتينية انتقلت إلى العربية عن طريق الآراميين 21.وهناك طرق أخرى للتجديد مثل الاشتقاق بنوعيه الأكبر والأصغر والنحت والتوليد ...وغيرها من الأشكال التطويرية التي لا تخل بالنظام اللغوي الفصيح مادام الجوهر القرآني حاضرا ومحافظا عليه .

5 ـ العامية واللاتينية حلول أم تخريب ؟ .

يطرح صاحب المقال في حلوله المشوهة اعتبار العامية فصحى يتم التعامل معها على قدم المساواة مع العربية الفصحى. ومثل هده الدعوات ليست جديدة أو بالأصح ليست من إبداع صاحبنا بل هي مجرد نقطة في سلسلة من الدعوات التي انطلقت مع منظري الاستعمار ومفكريه وساساته وصولا إلى بعض الباحثين العرب أمثال أنيس فريحه الذي دعا في كتابه "نحو عربية ميسرة" إلى "أن يصبح لنا لغة واحدة هي لغة الحياة "22. بل الأكثر من دلك فهو يدعو إلى اللهجة العربية المحكية المشتركة كحل للقضاء على الثنائية اللغوية . فهل الحل في تفصيح العامية حتى تغدو على شكل اللغات الأوروبية أم الحل في تطويع الفصحى لتستوعب المستحدثات التقنية والعلمية الحديثة ؟ نحن نميل إلى الاقتراح الثاني ، لأن العربية أثبتت تاريخيا أن قدراتها الاستيعابية لكل ألفاظ الحضارة والتطور قد تم عن طريق العديد من الوسائل والمجهودات المباركة للعديد من المجامع ومكاتب التعريب المختلفة ، لكنها تفتقد إلى التنسيق . وسأضرب لكم مثلا في المغرب . فهناك مكتب لتنسيق التعريب تابع لجامعة الدول العربية ومكتب للأبحاث والدراسات للتعريب تابع لجامعة الرباط . ولا يفصل بينهما إلا شارع واحد . وبالرغم من دلك ، فالفروق الاجتهادية بينهما يمكن قياسها بالسنة الضوئية . وفي كل العواصم العربية ، وفي كل الجامعات تجد مراكز للأبحاث الخاصة بالتعريب والترجمة لكن كل منها يعيش في برجه العاجي الخاص به . كما أن قدراتها على التأثير على أرباب القرار السياسي يبقى دون المطلوب في العديد من الدول . إدن فالجهود المعجمية كثيرة ودؤوبة ، لكنها غير مفعلة سياسيا واجتماعيا ولا تجد طريقها إلى التطبيق العملي.

وكل هدا لنقول بأن المشكلة ليست في اللغة العربية ، وهي غير محنطة نهائيا وإنما الإشكال في الناطقين بها . فما تعيشه الأمة من أزمات سياسية وثقافية واجتماعية ليس بسبب اللغة أو بسبب الكلام العربي الموروث ، لكن بسبب التكالب الخارجي بزعامة الصهيونية التي يدعونا صاحب المقال إلى التصالح معها وإلغاء العربية الفصحى من هويتنا. وإذا كان الحل في رأيه هو تبني التجربة التركية والخط اللاتيني والألفاظ الأجنبية  . فأظن أن النموذج التركي ليس أفضل حالا من النماذج العربية من حيث قوة الحضارة وشيوع الحداثة . لكن الإشكال هو في طرح السؤال الخطأ في الزمن الخطأ . فليس الإشكال إشكال لغة بل هو إشكال أمة تعاني ضروب التهميش والإقصاء والتخلف . ومتى قامت الأمة قامت لغتها . ولنا في التاريخ القديم عبر وسنن يمكن الاستفادة منها.

 

الــهــوامـــش :

1 ـ نقلا عن مجلة الفكر العربي .عدد21.تشرين الثاني .ص:6

2ـ ابن جني : الخصائص . 1/34

3 ـ محمد عابد الجابري : مواقف .ص ص59

4 ـ نفسه : ص60

5 ـ السيوطي جلال الدين : الاقتراح : ص 44

6 ـ  ابن الأنباري . الإغراب في جدل الإعراب : ص 45

7 ـ السيوطي :  الاقتراح : ص 44 ـ 45

8 ـ  الصاحبي : وص 33 .

9 ـ ابن جني : الخصائص : 2 / 5

10ـ ـ ابن خلدون : المقدمة : ص 122 .

11 ـ نفسه : ص 123  .

12 ـ نفسه : ص 125

13 ـ أبو سعيد السيرافي : أخبار النحويين البصريين : ص 90

14 ـ العمدة : ابن رشيق . 1 / 113

15 ـأحمد مختار عمر :  البحث اللغوي عند العرب : ص  44

16 ـ خزانة الأدب للبغدادي : 1 / 3 ـ 4

17 ـ السيوطي :  الافتراح : ص 65

18 ـ الزمخشري :  الكشاف : 1 / 220

19 ـ تمام حسان : الأصول : ص 115

20 ـ ابن جني : الخصائص : 1 / 248

21 ـ السامرائي : فقه اللغة المقارن ص177

22 ـ أنيس فريحة : نحو عربية ميسرة .ص150