احتفالية وجدة عاصمة المجتمع المدني 2018

احتفاليـة

وجدة عاصمة المجتمع المدنــي لسنة 2018

 * تقرير *

كأنها أبت إلا أن تلازم عاصميتها للثقافة العربية بأن تكون أيضا عاصمة للمجتمع المدني للسنة ذاتها (2018)، فلقد شهدت مدينة وجدة يوم السبت 26 محرم 1440 الموافق لـ 06 أكتوبر 2018 احتفالية تسميتها عاصمة للمجتمع المدني المغربي لسنة 2018 والتي جاءت بمبادرة من منظمة المجتمع المدني الدولية لقيم المواطنة والتنمية والحوار (أيكسو) بشراكة مع الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني ومركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة والائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية بالمغرب.

وابتداء من الساعة العاشرة صباحا التأم اللقاء الجمعوي في إطار علمي معرفي وطني بمركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة لتبادل الأفكار وتمازج المشاعر، بدءاً بكلمة للعلامة الدكتور مصطفى بن حمزة رئيس المجلس العلمي المحلي لوجدة أكد فيها على أن قوة الانتماء إلى الوطن يجب أن يكون ثابتا وأمرا مفروغا منه، مستشهدا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الرائد لا يكذب أهله"، ومحذرا بالقول أنه لا ينبغي للمرء - بأي حال - أن يحب الوطن حبا "رِبَوِيّاً"، وملفتا إلى أن الفرض الكفائي هو فرض المجتمع، وارتباطاً بموضوع اللقاء أشار الدكتور مصطفى بن حمزة إلى أن مدينة وجدة مدينة النشاط الثقافي بامتياز، فقد احتضن مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية/ منار المعرفة، وهو الفضاء الوقفي المجتمعي، أكثر من ألف نشاط ثقافي.

ومن جانبه، أكد الدكتور سمير بودينار رئيس مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية في كلمته الترحيبية إلى أن وجدة مدينة الألفية العريقة التي تحتضن منار المعرفة، والذي هو نتيجة عمل المجتمع المدني انعقد بمقره اللقاء الوطني الأول حول المجتمع المدني قبل خمس سنوات، كما أنه احتضن مئات الأنشطة العلمية والثقافية في مختلف المجالات..

وفي تدخله، أقر السيد مصطفى الخلفي الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني الناطق الرسمي باسم الحكومة بأن مدينة وجدة تمثل النموذج في العمل التنموي الخيري والمبادرات ذات البعد الديني، وبعد أن عرج على دور الشباب - في إطار المجتمع المغربي الأصيل - في الوقوف في وجه الاستعمار عبر مختلف الأحقاب منذ سنة 1912 خلص إلى أن الدور الذي تلعبه جمعيات المجتمع المدني على مستويات عدة (سواء بالنسبة لمحو الأمية، أو رعاية الطفل في مواجهة الهدر المدرسي، أو الاشتغال لمحاربة البطالة، والدفاع عن الهوية وعن القيم...) هو دور محوري وبالغ الأهمية، والاحتفال بالمجتمع المدني (اليوم) هو عرفان بدوره.

أما الدكتور مصطفى الزباخ رئيس منظمة المجتمع المدني الدولية لقيم المواطنة والتنمية والحوار فقد أكد أن اختيار مدينة وجدة عاصمة للمجتمع المدني لم يكن مشروعا خارجيا، بل كان اجتهادا خاصاً نظرا للجهود المضنية والمضيئة للمجتمع المدني بعيدا عن الولاءات الخارجية الاستيلابية، وجاء كذلك انسجاما مع مبدأ تعايش الثقافات والأديان وقيم الشباب وقيم التنمية وقيم الحوار..،كما أنه جاء تجاوبا مع ما ورد في الخطاب الملكي في افتتاح الدورة التشريعية (2017 - 2018) من دعوة ملكية إلى المقاربة التشاركية، وكذا الترتيب المتميز لجودة التعليم لجامعة محمد الأول بوجدة، مؤكدا أن تأسيس وجدة عاصمة للمجتمع المدني لأول مرة جاء كحدث متميز جهويا ووطنيا وعالميا، وأيضا تكريما لرواده في جميع المجالات الثقافية والدينية والعمرانية والفنية وغيرها.

ومن جهته، أكد الدكتور فؤاد بوعلي رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية بالمغرب أن اختيار مدينة وجدة عاصمة للمجتمع المدني هو اعتراف بما تحقق بالمدينة على مستوى العمل الخيري والإحساني والتطوعي بعيدا عن الانتظارية..، ملفتا إلى أن الائتلاف يجمع في ثناياه مختلف الأطياف والحساسيات الوطنية بكل تبايناتها يمينا ويسارا، سياسية وثقافية وغيرها رغم التجاذبات السياسية المختلفة والحادة أحيانا، إلا أنها تجتمع في أهداف سمو اللغة العربية..

وعاد السيد مصطفى الخلفي ليعقب إثر تدخل بعض الطلبة الذين عبروا عن مطالب حادة بضرورة الالتفات إليهم بتشغيلهم... مؤكدا أن المطالب الاجتماعية والشبابية في الحق في الشغل والعيش الكريم بالقول: "يجعلنا ملزمين بالعمل والاجتهاد لإيجاد حلول لها، وهو تحدي كبير رغم الصعوبات والإكراهات، لأن الوطن وطننا جميعا، وهنا - يضيف الوزير - نستحضر الدور الذي يضطلع به المجتمع المدني في التفاعل.."، وليضيف أن دور المجتمع المدني دور رقابي أيضا، كما أن له دور اقتراحي.

هذا، وتدخل الدكتور مصطفى بن حمزة ثانية في إطار التفاعل مع "احتجاج جمعية الطلبة المعطلين" ليلفت إلى فكرة إنشاء مستشفى للترويض الطبي، وإحداث مركز للاستظلال والاستراحة يلحق بالمركز الاستشفائي الجامعي بوجدة مراعاة لظروف المرضى ومرافقيهم المقبلين من المناطق والمدن المجاورة، كما دعا الوزيرَ إلى خوض تجربة إيفاد خبراء إلى مدينة فجيج لمتابعة بعض المبادرات النبيلة بها للمجتمع المدني من قبيل إنشاء نواة لمؤسسة جامعية.

بعدها تم توقيع اتفاقية شراكة بين مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة ومنظمة المجتمع المدني الدولية لقيم المواطنة والتنمية والحوار (أيكسو).

وإثرها تم تكريم شخصيات ناشطة في العمل الخيري والمجتمع المدني، كما تم تكريم بعض جمعيات المجتمع المدني عرفانا وامتنانا.

واختتمت الجلسة الافتتاحية بالإنصات لقصائد شعرية حول مفاخر مدينة وجدة للشاعر الأستاذ عبد الرحمان وافي، والشاعر الدكتور حسن الأمراني، وتسليم درع وجدة عاصمة المجتمع المدني، كما تم الإعلان عن مدينة تارودانت عاصمة للمجتمع المدني لسنة 2019.

ولقد تخللت الاحتفالية ثلاث ورشات تكوينية، وشملت مواضع:

  • تدبير النزاعات.
  • المجتمع المدني في خدمة الجاذبية الترابية.
  • دور المجتمع المدني في التنمية المحلية: مشروع chab@b de l’or نموذجاً.

ولدى انطلاق الجلسة العلمية الأولى في إطار محور: وجدة الذاكرة والمسارات، تحدث الدكتور حسن اعبايبة في موضوع: "تنمية المدن الحدودية: وجهة نظر استراتيجية"، فأورد أن ضمن الجهات المغربية الإثني عشر، هناك جهات لها حدود سياسية، ومنها الحدود المغربية الجزائرية التي تعد حدودا بشرية، إذ أبرز أن مشكل الصحراء هو الذي يجعل الحدود مغلقة بين البلدين، مبرزا أن القضايا الاقتصادية الكبرى تتعدى القضايا الخلافية الحدودية بالنظر إلى حجم المعاملات الاقتصادية بين المغرب والجزائر ونوعيتها التي تصل إلى نحو ثلاثين مليار، متسائلا عن مدى إمكانية وضع نموذج اقتصادي بين القطرين .. على نحو نموذج الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك..؟

وفي تدخله بموضوع: "التحليل المجالي لتوزيع المساجد في مدينة وجدة باستخدام نظم المعلوميات الجغرافية"، أورد الدكتور عبد الحق الصدق أن المسجد هو بنية وهو تجهيز للقرب، وأن المجتمع المدني يساهم بشكل كبير وفعال في بناء المساجد بعد أن كان الاستعمار يعرقل ذلك، وبعد أن أكد أن المجتمع المدني كان مساهما كبيرا في بناء المساجد منذ فجر التاريخ، صرح أن اليوم تصل نسبة مساهمات المجتمع المدني في بنائها إلى 92 بالمائة، بينما الأوقاف تصل مساهمتها إلى 5,6 بالمائة، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية 2,4 بالمائة.

أما الدكتور بدر المقري فقد تناول: "مقاربة تركيبية جديدة لتاريخ مدينة وجدة"، مستحضرا كعادته البعد الوجودي للذاكرة، مستلهما من القول "من لا ذاكرة له، لا هوية له" ليدعو إلى ضرورة تظافر الجهود (في إطار المجتمع المدني) للحفاظ على الهوية الوطنية، ومؤكدا أن تلازم الذاكرة والتاريخ من جنس تلازم الثقافة والحضارة..

بيد أن الدكتور نجيب لوباريس، حاول لمس موطئ قدم للأندلسيين بجهة الشرق عموما وبمدينة وجدة بخاصة من خلال مداخلته: "الأندلسيون في النسيج الاجتماعي المغربي" بدلا من العنوان المبرمج سلفا "الأصول الأندلسية للعائلات المغربية، ومنها الوجدية"، فلم يتيسر له إلا اليسير جدا - كما قال - من خلال بعض الشهادات الشفهية النادرة، وخصوصا في ندوة نظمت بطنجة سنة 2014 من خلال شهادة لـ"نصيرة المريمي" على حد توضيح المحاضر !

وخلال الجلسة المسائية، التي افتتحت بمداخلة للدكتور مصطفى الزباخ بعنوان: "مشروع إعداد الموسوعة الحضارية لوجدة ونواحيها"، أكد فيها أن رؤيته لأهمية وضرورة إعداد الموسوعة تنطلق من قلق حضاري، وتأتي استجابة لتجارب ثقافية معينة في إطار انتمائه سابقا للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، مؤكدا في هذا الصدد أن الصورة الحقيقية لتاريخ أي بلد لا تتأتى إلا بالكشف عن تراث مدنه والخصوصيات التي تتميز بها كل منطقة على حدة، ليخلص إلى لزوميات رآها أساسية لإعداد موسوعة حضارية خاصة بمدينة وجدة وضواحيها - على غرار ما تم بشفشاون -، مشددا على ضرورة مواجهة الصورة النمطية التي تتصل بكل جهة والتي تتمثل في الافتراءات والقذف، ليؤكد أن كل مدينة في المغرب ساهمت بقدر كبير في الكفاح والإبداع..

وبالنسبة للدكتور مصطفى حدية، فقد انطلق حديثه من محتوى مؤلف مشترك بينه والدكتور مصطفى الزباخ بعنوان: "تقديم استراتيجية المجتمع المدني لقيم المواطنة والتنمية والحوار"، إذ أكد أن المحتوى عبارة عن دليل لجمعيات المجتمع المدني، والرؤية الفلسفية للتعامل في إطار المجتمع المدني، وقد قسم إلى ثلاثة أقسام أو محاور:

  • خاص بمفهوم الحوار.
  • المواطنة.
  • التنمية.

وعن دواعي إعداد الدليل، أفاد الدكتور حدية أن المجتمع أصبح عرضة لعدة آفات تمس الأمن في مختلف المجالات، والتي باتت تؤثر في نوعية ونمط التعايش والترابط، كما أن هناك قصورا في الوعي بالرسالة التي يتوخاها المجتمع المدني، وبالتالي ينعكس على نوع الرؤية..، محذرا من جمعيات تتزلف.. وأخرى تخضع لجهات خارجية مما يضر بتوازن البلد كما يضر بأمنه واستقراره، لينتهي إلى القول بأن المؤلف يهدف إلى رؤية مجتمع يسود فيه الجميع ويتعايش فيه الجميع ويعلو فيه صوت الحق والأخلاق والتدبير السلمي للنزاعات، والحرص على التحرر من الإملاءات الخارجية، وأن تكون لنا رسالة تصحيحية ضد الصورة النمطية السائدة بالمجتمع.

هذا، وبالموازاة مع احتفالية تأسيس عاصمة المجتمع المدني 2018، شهد مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية أيضا معرضا شاسعا لعدد هائل من جمعيات المجتمع المدني فاق عددها الخمسين جمعية، وقد كان الحضور مهما ومكثفا والاهتمام واضحا وملموسا من جميع الشرائح والمستويات.

وجدة في: 06 أكتوبر 2018.

عبد الله بوكابوس