الملتقى الدولي الرابع للطلبة الباحثين في علم مقارنة الأديان في موضوع: ترجمة النصوص الدينية خطوة نحو معرفة الآخر

تقريرالملتقى الدولي الرابع للطلبة الباحثين

في علم مقارنة الأديان:

ترجمة النصوص الدينية خطوة نحو معرفة الآخر

تكريما للدكتور أحمد شحلان

المتخصص في الدراسات الشرقية

وعلم مقارنة الأديان

 

في ديباجة الترحيب في استقبال الملتقى الدولي الرابع للطلبة الباحثين الذي نظمه مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بمقره ابتداء من يومه الجمعة 26 رجب 1439 الموافق 13 أبريل 2018 ليمتد إلى يوم الغد السبت، أكد رئيس الجلسة الدكتور فؤاد بوعلي أن الترجمة الموضوعية للنصوص الدينية هو آلية من آليات معرفة الآخر في إطار التداول العلمي الموضوعي..

بينما أبرز الدكتور عبد الرحيم بودلال مدير مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية أن "العلاقة تزداد قوة حين ترتبط بالجانب الديني". وفي سياق الحديث عن موجبات موضوع الندوة وارتباطها بالمحتفى به في الإطار، ووصلا بثقافة الاعتراف التي اعتاد علها المركز وعود عليها، اقتبس الدكتور ميمون الداودي القول:"لاشيء أكثر خطورة من الترجمة".

بيد أن الدكتور مصطفى بن حمزة رئيس المجلس العلمي المحلي لوجدة أكد في تدخل له أن الترجمة هي جزء من الثقافة الشرعية الإسلامية، وأن جميع الأنبياء كانوا متعددي اللغات، وهذا من تعليم الله لهم أو من تعلمهم، كما أضاف. وأكد أن دراسة الترجمة واللغات هي مشروعنا (الأمة)، إذ "القول ينفذ ما لا تنفذ الإبر"، ليختم بالتأكيد على الأخلاق وروح الأدب اللذين ينبغي أن يلازما جانب العلم والبحث العلمي، وهو ما يميز الأستاذ المكرم ضيف الندوة الدكتور أحمد شحلان.

وفي تدخله بمحاضرته الافتتاحية: "الحداثة في التراث الفكري العربي من ابن حزم إلى ابن رشد"، أكد الدكتور أحمد شحلان أنه لا يجب أن يكون إقرار الحداثة في الفكر العربي الإسلامي داعيا للاستغراب، مضيفا أن الحداثة بكل أطوارها ارتبطت بحاجة الإنسان، وأنها - أي الحداثة - نزوع نحو التغيير لا يقاس بزمان، وقد تمثلت الحداثة عند الرجلين (ابن حزم و ابن رشد) في المجاهدة على الإصلاح.

ولقد ظل ابن حزم يتنقل بين مدن الأندلس وهو يأمل دوما أن يحقق في التأليف ما لم يحققه في السياسة، مما تيسر له وضع أربعمائة مجلد، فتنوعت مؤلفاته بين الأدب والفقه والحديث والفلسفة والسياسة وغيرها، ولعل إخفاقه في فلك السياسة - يضيف - هو الذي حدد مضامين مؤلفاته، وكان يناقش الأفكار ولا يناقش الرجال، ودعا إلى العناية بالشرعية والتعليم واعتبارهما الطريقة الوحيدة للإصلاح.

هذا، وأفاد المحاضر أن ابن حزم تعدى في تأليفه كل الحدود، ودقق في خفايا الرجال والنساء...، وعرف بتفتحه على حضارة الآخر في نقد علمي فائق، كما عرف بجرأته في نقد أبي حنيفة ومالك.

أما ابن رشد، فقد وضع أنواعا من المؤلفات، ومدونات ترتبط بأرسطو، وتحدث في مائة وثمانية مؤلف تضمن بخاصة: المنطقيات، والطبيعيات، والإلهيات، والأخلاق والسياسة، والفلك.

وكان هدفه إيصال العلم إلى كل الناس، كما عرف بتلميحه في كتاباته إلى الفساد، كما كان ابن رشد يرى - يضيف المحاضر - أن الفهم ضرورة من ضرورات الإسلام.

وفي هذا السياق ورد عن ابن رشد أنه: "كم من فقيه كان فقهه سببا في ضعف تورعه"، كما عرف عنه نقده للعلماء حين رأى افتقادهم للشجاعة والعدل، وانتقاده تكديس الأموال والأضرار التي يتسبب فيها هذا التكديس، وعن ضرورة توزيع المؤن، ورفضه أن يشتغل المرء مهنتين (...)

وجدة في: 13 أبريل 2018.

عبد الله بوكابوس

فضيلة الأستاذ عبد الرحيم بودلال،

سلام الله عليكم ورحمته تعالى، وبعد.

جُدتم وما لي ما به أرد الجود، فقد تأثرت غاية التأثير، بجودة التنظيم  وحسن اختيار الموضوع، وتأثرت ببالغ الحفاوة المعهودة منكم. فأرجو أن تقبلوا شكري وأن تنوبوا عني بالشكر لفضيلة العلامة الدكتور مصطفى بنحمزة، والدكتور سمير بودينار والدكتور ميمون الداودي، والدكتور سعيد كفايتي والدكتورة كريمة نور  عيساوي. والدكتور حسن لمراني، والدكتور محمد الشامي، وإخوة غيرهم ممن أسهموا في اللقاء المبارك. وعلى يديك، أبعث هذه التحية إلى وجدة الرائعة، فكن لي وسيطاً في رسالة العرفان والثناء هذه.

وجدة الوفاء

وَجْدةَ الوَفِيَّةَ, يَا بِنْتَ الأَكَارِمِ، يا حَصِينَةَ الْبُنْيَانِ، يا عَطُوفةً بالوَجْدِ، يَا مَرْبِطَ خَيْلِ الله الصَّاهِلَةِ، يَا غَنِيَّةَ الْكَفِّ، يَا ذَاتَ العَقْلِ الرَّاجِحِ. يَا مَنْ جَمَعَتْ شَمْلَ الْوَحْدَةِ في نُقْطَةٍ [وجدة]. وما أَنَا مِمَّنْ وصَفَكِ بهَذِهِ الصِّفَاتِ الْجَليلات، فهي من صُنْعِ الُّلغَةِ خَصَّتْكِ بِها، ومن مَسْطُورِ التَّاريخ مَا نَازَعَكِ فِيه أحَدٌ. يَا سَيِّدَةَ الجِيرَانِ، مِـمَّنْ أَحْسَنْتِ إليهم وَقَدْ اشْتَدَّ الْكَلْكَلُ عَلَى الْكَاهِل، واسْوَدَّتْ الْغُيُومُ عَلَى الذَّاهِلِ، حَتَّى أَتَى اللهُ بِالْفَرَجِ...

 قَبْلَ مَا يَنِيفُ عَلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً وَالشَّبَابُ فِي العُرُوقِ غَظٌّ طَرِيٌّ يَزْهُو، وَالأَمَانِي بَيْنَ الضُّلوعِ لَا تَحُدُّ لَهَا المـَسافَاتُ مدىً أَوْ تُثَنِيهَا عَمَّا إِلَيْهِ تَهْفُو. كُنْتِ مَهْوىَ القَلْبِ، لَمَّا ارْتَفَعَتْ فِيكِ قِلَاعُ الجَامِعَةِ بِاسْمِ اللهِ مُجْراهَا وَمُرْسَاهَا, وَلَمَّا هَيَّأْتِ لِلعِلْمِ رِحَابَكِ قاسِيهَا وَأَدْنَاهَا. فَأَحْسَنْتِ الصُّنْعَ وَكَرَّمْتِ الوَافِدَ، وَزِدْتِ عَلَى تَلِيدِكِ مَا أسْعَدَ النَّاظِرَ والشَّاهِدَ.

عِنْدَهَا حَمَلَتْنِي إِلَيْكِ رَزَانَةُ مَا عُرِفْتِ بِهِ مَدَى الأَزْمَان، وَتَجَمَّلْتِ بِهِ مِنْ آيَاتِ أَخْلَاقٍ حِسَان. وَمَنْ لَا يَعْرِفُ لِلوَجْدِيِّ، إِنْسَانًا فِي جِنْسَيْهِ، وَوَفِيًا فِي خُلْقَيْهِ، مَا أَتَّصَفَ بِهِ مِنْ حَصَافَةِ عَقْلٍ وَرَجَاحَةِ حِجْرٍ، وَمَا كَانَ لَهُ مَنْ بَأْسٍ إِذَا غَضِبَ، أَوْ أَرْيَحِيَّةٍ إِذَا طَرِبَ.

مَا أَنَا قَرَأْتُ هَذَا فِي تَارِيخِ مَسْطُورٍ, أَوْ اِسْتَنْبَطْتُهُ مِنْ مَكْتُوبٍ مَـحْبورٍ، فَمَنْ فِي مِثْلِ أَخْلَاقِكِ يَا وُجْدَة, لَا يَحْتَاجُ إِلَى بُرْهَانٍ مَكْتُوبٍ، أَوْ حُجَّةِ سَنَدٍ مَرْغُوبٍ.

قَرَأْتُ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ مَنْ عَرَفَتْهُمْ مِنْ الرِّجَالِ، وَمَنْ كَتَبُوا تَارِيخَكَ مِنْ الأَبْطَالِ. وَجَدْتُهُ فِي أسَاتيذ كَانُوا فِي جَامِعَتِكِ مِنْ خِيرَةِ الخَلْقِ أَخْلَاقًا, وَمِمَّنْ كَانُوا فِي هَيَاكِلِ عِلْمِكِ أعلاقًا. تَزَيَّنُوا بِسَرابيل المَعَارِف، وَتأَنَّقوا بِما خَطُّوا بِغَالِ المِدادِ، من الصُّحُفِ واللَّفائِفِ. وَمَا رَأَيْتُ فِيهِمْ ذَا أَنْفٍ فِي السَّمَاءِ تَعْلُو السَّحَابَ, أَوْ مَزْهُوّاً بِنَفْسِهِ يَعْدُو الصَّوَابَ. كُلُّهُمْ أَحِبَّةٌ فِي اللهِ. بِحُبِّ اللهِ عَانَقُونَا نَحْنُ الزُّوَّارَ، وَبِاِنْشِرَاحٍ فِي القَلْبِ وَالصَّدْرِ أَنْزَلونَا الدِّيَارَ.

يَا أللهُ... كَمْ كَانَتْ هِيَ جَمِيلَةٌ تِلْكَ الأَماسِي، بَعْدَ دَرْسٍ مُتَّسَعِ الأَرْجَاءِ، يَكْتَنِفُنَا بِيتٌ وَجْدِيٌ مُنْشَرِحَ الأَنْحَاءِ. فَيَا أللهُ مِنْ ذاكُم الجُودِ مِنْ ذَوِي الهِمَمِ، يُطْعِمُونَنا مِنْ رائقِ عِلْمِهِم  وأَطايِبِ النِّعَمِ.

وُجْدَةَ العِلْمِ، حَيْثُ كَانَ المـُــدَرَّجُ عَلَى مَدَاهُ، وَالزَّمَانُ مِنْ مَجْرَاهِ إِلَى مَجْرَاهِ, يُسْعِدُنِي بِطُلَّابٍ هِمَمُهُم فِي حُبِّ العِلْمِ عَالِيَةٌ, وَأَخْلَاقُهُمْ فِي مِثْلِ إِخْوَانِهِمْ مُتَسَامِيَةٌ.

وُجْدَة.. وُجْدَة.. وُجْدَة.. مَرَّ عَلَى جَمِيلِ هَذِهِ الذِّكْرَيَاتِ مِنْ الزَّمَانِ أَزْمَانٌ, وَحُبَّكِ فِي القَلْبِ لَمْ تَذْبُلْ لَهُ أَلْوَانٌ.

وَاليَوْمَ بَعْدَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً بِالتَّمَامِ وَالكَمَالِ. يَجُودُ مِنْكِ القَلْبُ بِمَا عُرِفْتِ بِهِ مِنْ وَفَاءٍ، وَيَسْتَقْبِلُنِي بِنَفْسِ الحَفَاوَةِ وَالمـــــحَبَّةِ وَالصَّدْرِ الرَّحْبِ، فِي جَمِيلِ سَهْلِهِمْ، وَلَطِيفِ بُنْيانِهم، إِخْوَةٌ لِي شَارَكُونِي أَيَّامَهَا فِي الجُودِ عَلَى طَلَبَتِهِمْ بوافر عِلْمِهِمْ, وَجَمِيلِ أَخْلَاقِهِمْ. وَلَا غَرْو، فَكَلِمَتُهُمْ دَوْمًا فِي النَّاسِ مَسْمُوعَةٌ, وَأَفْضَالَ أَيَادِيهِمْ فِيهِمْ مَنْشُورَةٌ. زَيَّنُوا لِلنَّاسِ طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا بِأَنْعُمِ العُلْيَا. وَنِعْمَ أَهْل العِلْمِ، عِنْدَمَا يَحُثُّونَ عَلَى فِعْلِ الخَيْرِ باِكْتِسَابِ العِلْمِ وَنَشْرِ الْـمَحَبَّةِ وَالتَّخْفِيفِ عَنْ المُحْتَاجِ.

 وُجْدَة وُجْدَة وُجْدَة. رَغْمَ بُعْدِ ذاكُم الزَّمَانِ، عَانَقَنِي فِيكِ اليَوْمَ، إِخْوَةٌ سَعِدْتُ بِأَنْ كُنْتُ لَـهُـمْ مُسَاعِدًا فِي طَرِيقِ المَعْرَفَةِ بِمَا تَيَسَّرَ لِي، وَأَغْنَوْا ذَاكَ الـمُتَيَسَّرَ بِمَا َمـَدُّونِي بِهِ مِنْ قُوَّةٍ تَمَثَّلَتْ فِي حُبِّهِمْ لِلأَخْذِ وَرَغْــــبَتِهِمْ فِي الـــمَعْرِفَةِ. وَكَمْ كَان مَطْمَحُهمْ هَذَا مُحَرِّضًا لِي عَلَى أَنْ لَا آتِيهِمْ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَتَأَكَّدَ مِمَّا عِنْدَي مِنْ زَادٍ. فَقَدْ كَانُوا رِجالًا مَلْبَسُهُمْ الخُلُقُ، وَزِينَتُهُمْ الرَّزَانَةُ، وَهالَتُهُمْ الاِحْتِرَامُ، وَهُمْ مِنْ حَيْثُ هُمْ، مَظَنَّةٌ لِلعِلْمِ وَالْمـَعْرِفَةِ. هُمْ اليَوْمَ, يَجْلِسُونَ عَلَى نَفْسِ الكُرْسِيِّ الَّذِي جَلَسْتُ عَلَيْهِ، وَبِنَفْسِ الصِّفَاتِ، يَجُودُونَ وَيُجَوِّدُونَ, يَعْلَمُونَ وَيُعَلِّمُون، مِمَّا لَهُم مِن عِلْمٍ وَمَا مُيِّزُوا بِهِ مِنْ أَخْلَاقٍ.

يَا لَكِ مِنْ وَفِية رائقَةٍ. رَحَبَةَ الصَّدْرِ، طِيبَةَ القَلْبِ، بَعِيدَةَ النَّظَرِ. فَكَمْ مِنْ مَجَامِعَ عِلْمِيَّةٍ فِيكِ رَأَتْ النُّور، وَكَمْ مِنْ لِقَاءَاتٍ نَيِّرَةٍ قَصْدُهَا ِالبُرُور، رَصَّعَتْ بِهَا جَامِعَتُكِ تَاج عِرْفَانِهَا، وَزَيَّنَتْ بِهَا جِيدَ مُرِيدِيهَا وَطُلَّابِهَا. وَمَا أَسْعِدْنِي أَنْ تَخُصِّينِي بِجَوْهَرَةٍ مِنْ هَذِهِ الجَوَاهِرِ، وَمِنْ أَبْهَاهَا: فِي أَدْيَانِ اللهِ الوَاحِد الأَحَدِ. وَمَا صَحَّ فِيهَا مِنْ إِيمَانَ وَمُعْتَقَدِ. وَفِي أسْمَى المَقَاصِدِ وَأَبْدَعِ المشَاهِدِ: أَنْ يَعْرِفَ الإِنْسَانُ أَخَاهُ، وَأَنْ لَا يَظَلَّ للُّغَةِ سُلْطَانٌ هُوَ سُلْطَانُ بُرْج بِابِلَ, وَأَنْ لَا يَعُودَ لِلخَلْقِ مَا عَنَّى قَابِلَ وَهَابِلَ.

وُجْدَة العَظِيمَةُ، فِي هَذَا اللِّقَاءِ المَعْرِفِيّ الجَمِيلِ، الْتَقَى مِنْ بَاحِثِي الْمـَعْرِفَةِ أَجِلَّاءُ, جاءوا مِنْ الـمــَشَارِقِ وَالــمَغَارِبِ، تَجَمَعُهُمْ كَلِمَةٌ سَوَاءٌ: حُبُّ المَعْرَفَةِ وَإِزَالَةُ غَبَشِ العُنْجُهِيَة عَمَّا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ لِسَانٍ وَلِسَان،  من شَامِلِ الكَرَم والإِحْسَانِ.. لِقَاؤُكِ اليَوْمَ جَمِيلٌ وَغَنِيٌّ وَمُمْتِعٌ وَنَبِيلٌ. بِمَا هُوَ عَلَيْهِ، وَبِمَنْ كَانَ وَشَارَكَ فِيهِ، وَبِمَرْكَزٍ عِلْمِيٍّ لِلدِّرَاسَاتِ وَالبُحُوثِ الإِنْسَانِيَّةِ وَالاِجْتِمَاعِيَّةِ فَرِيدٍ فِي بُنْيَانِهِ الَّذِي رُفِعَ عَلَى التَّقْوَى, وَمَا مَسَّهُ لُغُوبٌ مِمَّا تَأْتِي بِهِ رِيَاحُ التَّفَاخُرِ وَالأَهْوَاءِ. فَقَدْ سَعى إِلَى رُوَّاءِ سَناهُ، مُؤْمِنٌ عَالِمٌ، َأَنَارَ وَيُنِيرُ ، مَا دَامَتْ النِّيَّاتُ صَالِحَاتٍ. وَمَا أَسْعَدَني أَنْ قُلْتُ فِي هَذَا الْمَحْفَلِ كَلِمَتَي وَاِلْتَقَيْتُ فيه ِبأَخْيَارٍ.

كُلُّ طُقُوسِ حَفَاوَتُكِ يَا وُجْدَة جَمِيلَةٌ كَرِيمَةٌ، بِمَا فِيهَا لَحْظَةٌ شَعُرْتُ فِيهَا بِبَعْضِ الأَسَى: تِلْكَ هِيَ لَحْظَةُ وَدَاعِ أُسْتَاذٍ بَاحِثٍ حَمـَلَهُ إِلَيْنَا شَوْقُ المـــَـــــعْرِفَةِ، أُسْتَاذٍ مِنْ بَلَدِ إِخْوَتِنَا الجَزَائِرِ العَزِيزَةِ، فَقَدْ عَانَقْتُهُ لِأُودِّعَهُ, وَعَانَقَنِي لِيُودِّعَنِي، فَطـلَّتْ مِنْ عُيونِنا ظِلَالُ دُمُوعٍ عَلَى حَالٍ أَرْفُضُهَا وَيَرْفُضُهَا. فَقَدْ عَانَقَنِي وَكَانَ يُرِيدُ أَنْ يُعَانِقَ كُلُّ جَزَائِرِيٍّ أَخَاهُ المَغْرِبِي، وَعَانَقْتُهُ وَكُنْتُ أَحْبَبْتُ أَنْ يُعَانِقَ كُلُّ مَغْرِبِيٍّ أَخَاهُ الجَزَائِرِي. وَمَا أَظُنُّ أَنَّ أَمْرًا طَلَبَتْهُ الـمـَعْرِفَةُ وَسَعَى إِلَيْهِ العَقْلُ يَتَعَذَّرُ الوُجُود. قَدْ يَسِيرُ فِيهِ الزمَانُ الْهُـــــــوَّيْنىَ، وَلَكِنَّ سُلْطَانَ العِــلْمِ أَقْوَى مِنْ مُلَابَسَاتِ السِّيَاسَةِ. واسْمَعُونِي يَا إِخْوَتِي مــِمَّن همَّهُمْ أَمْرُ الأُمَّةِ. - وَالأُمَّةُ لَيْسَتْ بَلَدَيْنَا وَحَسْب، الأُمَّةُ أُمَّةٌ إسلاميةٌ كَامِلَةٌ – إِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الصَّوْمَعَةِ العَالِمَةِ فِي وُجْدَة, وَأَخَوَاتٍ لَهَا فِي عَزِيزَتِنَا الجَزَائِرِ، تَسْتَطيعُ أَنْ تُعِيدَ لِلتَّارِيخِ مَجْدَهُ, وَأَنْ تَمْحِيَ ما فَصَل  العُقُولَ والقُلُوبَ. وَمَا كَانَتْ أُمَّتُنَا عَظِيمَةً إِلَّا فِي العُهُودِ الَّتِي صَنَعَتْ حُدُودَهَا مِنْ المَحَبَّةِ والمَعْرِفَةِ وتَضَامُنِ رِجالِ العِلْمِ وَشُيوخِ الحِكْمَةِ. إِنَّ مَنْ لَبِسَ الحَضَارَةَ زِينَةً، لَا يَخْشى غَفْوَةَ الْعَقْلِ الزَّائِلَةَ. أَنا وَأَنْتَ، أَخِي، الَّذِي شَارَكْتَنَا أَفْرَاحَنَا العِلْمِيَّةَ, سَنُشَارِكُكَ أَفْرَاحَكَ بِإِطْلَاقٍ. لِأَنَّ تَارِيخِنَا خُطٌّ بِكَلَمٍ هُوَ الأَسْمَى، وبِدُسْتُورٍ مِنْ الله هُو الأعْلَى. وَرِبَاطُنَا مَشْدُودٌ بِوثَاقٍ هُوَ الأَقْوَى. والإِنْسَانُ أخُ الإِنْسَانِ بِعِنَايَةِ الرَّحْمَنِ.

 تَحِيَّةَ حبٍّ لِكُلِّ الأَفَاضِلِ الَّذِينَ أَقَامُوا هَذَا العُرْسَ. الَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يُبَرْهِنوا عَلَى أَنَّ لِلُّغَاتِ وَهَجَهَا وَسُلْطَانَهَا، وَبِهَا تَتَحَابُّ الأُمَمُ وَتَلْتَقِي الشُّعُوبُ. شُكْرًا لِلمُنَظِّمِينَ، رِجَالًا قَائِمِينَ بِالمَرْكَزِ وَعَلَيْهِ، وَمُشَارِكِينَ مِنْ ماستر اللُّغَاتِ وَالحَضَارَاتِ الشَّرْقِيَّةِ وَمُقَارِنَةِ الأدْيان، وَالبَاحِثِينَ الَّذِينَ تَفَضَّلُوا عَلَيَّ فَأَهْدَوْنَا ثَمَرَاتِ هَذَا اللِّقَاءِ، وَهِيَ هَدِيَّةٌ غَالِيَةٌ لَا قُدْرَةَ لِي عَلَى أَنْ أَرُدَّ لَهُمْ مَثِيلًا لَهَا، وَأَعِدُهُمْ، إِنْ مَدَّ اللهُ فِي العُمْرِ، أَنْ لَا أَدَعَ قَلَمِي يَرْتَاحُ, أَوْ مِدَادِي يَغيضُ، أَوْ وَرَقِي يَذْبُلُ. وَهَذَا جُهْدُ الْمـُقِلِّ، لِعَلَّنِي أَكُونُ عِنْدَ حُسْنِ الظَّنِّ.

جَزَاكُمْ اللهُ خَيْرًا يَا خِيَارَ النَّاسِ. وَمَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ اللهَ.

 شُكْرًا لَكَ رَبِّي عَلَى مَا بِهِ أَنْعَمْتَ، وَإِلَيْهِ هَدَيْتَ، لَا اِلَهُ إِلَّا أَنْتَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ.

                                                                                                      أحمد شحلان