أصل الاستصحاب ودوره في توجيه الشواهد النحوية

أصل الاستصحاب ودوره في توجيه الشواهد النحوية

تأليف وإعداد

الدكتور/ إبراهيم محمد أبو اليزيد خفاجة

أستاذ النحو والصروف والعروض المساعد

(كلية المجتمع بالقويعية-جامعة شقراء)

1432هـ 2011م

ملخص البحث:

تأثرت علوم اللغة العربية في نشأتها بالعلوم الشرعية وخاصة علم الفقه، حيث صاغ النحويون أصولهم النحوية على نمط الأصول الفقهية، وساروا على درب الفقهاء في ذلك، ليس هذا فحسب؛ بل تأثر النحو أيضا بالعلوم العقلية كعلم المنطق وعلم الكلام، فاتجه النحويون إلى الإغراق في التعليل والتأويل والجدل.

وشغل البحث في أصول النحو حيزا كبيرا من تفكير علماء العربية، واستخدموا تلك الأصول في صوغ وتفسير القواعد التي تحكم اللسان العربي وتحدد قواعد النطق باللغة العربية، وكان من بين تلك الأصول التي أولاها النحويون عنايتهم واهتمامهم (أصل الاستصحاب).

وقد كان لأصل الاستصحاب مكانة متميزة بين أصول النحو العربي على الرغم من مجيئه في مرتبة متأخرة بعد السماع والقياس، فعلى الرغم من القول بضعفه في كثير من مصادر أصول النحو العربي، إلا أن النحويين كثيرا ما استخدموه في التفسير والتعليل للعديد من القضايا النحوية التي وردت مخالفة لما صاغوه من قواعد كلية. كما استخدموه أيضا في توجيه العديد من الشواهد النحوية والقراءات القرآنية المخالفة للقياس.

وهذا البحث محاولة للكشف عن هذا الدليل وبيان مكانته بين أدلة النحو العربي، وعلاقته بقضاياه، وبيان دوره في تفسير وتوجيه العديد من القضايا النحوية والشواهد التي ثار حولها خلاف بين النحويين على اختلاف عصورهم ومذاهبهم واتجاهاتهم الفكرية، كذلك إلقاء الضوء على ما يقدمه هذا الدليل من معلومات تتعلق ببعض الشواهد التي وردت مستصحبة لأصولها والتي يمكن من خلالها ملاحظة التطور التاريخي للغة العربية ودراسة بعض مظاهره.

:Abstract

The Arabic language has been affected in its creation by science law, particularly aware of the doctrine. The formulated Grammarians assets grammatical style and followed the path of the scholars and had been obviously affected by different kinds of mental sciences like the logic science. The Grammarians move to dumping in the reasoning, the interpretation and controversy

The deep search in the origin of language has taken big section from the Arab scientists thought, and used those assets in the formulation and interpretation of the rules that govern the Arab tongue and defining the rules of pronunciation in Arabic. Among the first of those assets was those Grammarians care and concern for Original Alastsahab

The origin of Alastsahab was taken privileged position between the origins of Arabic grammar in spite of coming in the rear after hearing and measurement. Although it says with its weakness in many of the sources of the assets of Arabic grammar, the Grammarians often used in the interpretation and explanation of many of the grammatical issues received with violation to the drafters of the general rules. Moreover, they used also to draw from the grammar evidences and the Holly Quraan readings in violation of measurement.

This research is an attempt to detect this evidence and evaluate the statement of its position in the evidence of Arabic grammar, and its relationship with its issues, its role in interpreting and directing many of the issues and grammatical evidence that erupted around a dispute between the Grammarians with their different spree, doctrines and attitudes of intellectual. As well as shed light on what this directory information related to some of the evidence and received matched with assets and in which they can note the historical development of the Arabic language and study some of its manifestations.

مقدمة:

نزل القرآن الكريم في بيئة عربية اشتهرت بالفصاحة وعرف أهلها بالبيان، فلم يجد المسلمون الأولون إشكالية في فهم النص القرآني أو تلاوته، فقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أظهرهم يوضح لهم ما غمض واستعصى عليهم فهمه من ألفاظه ومفرداته، ويفسر ويشرح لهم ما احتاجوا إلى معرفته من أحكامه، واستمر الوضع على هذا الأمر في عهد الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم أجمعين-، وإن كانت بوادر اللحن قد بدأت تظهر في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه على ألسنة الموالي، ومن خالطوا العجم من العرب الأقحاح كما تجزم بذلك الروايات التاريخية المتداولة في سبب نشأة النحو. وكمنت الخطورة في هذا اللحن عندما تسرب إلى النص القرآني وأدى إلى أن أخطأ البعض في قراءته وفهمه على وجه الصواب، على نحو ما ورد من خطأ بعضهم في قراءة قوله تعالي: [وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] {التوبة:3} ، حيث قرأ كلمة (رسوله) بجر اللام.

وبعدما انتشرت الفتوحات الإسلامية في القرن الأول من الهجرة النبوية المباركة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وبدأ التواصل والتمازج بين العرب وغيرهم من الأجناس الأخرى؛ فارسية ورومية وبربرية، واستقرت الأوضاع السياسية في أرجاء الدولة الإسلامية الناشئة، بدأ الضعف في اللسان العربي يظهر، وتفشى اللحن على الألسنة، وخاصة على ألسنة الموالي ممن لا يحسنون اللسان العربي، فهب العلماء والحكماء منذ فترة مبكرة وساعدهم الأمراء والخلفاء للتصدي لهذه الظاهرة، حفاظا على لغة الوحي الكريم، ومساعدة لغيرهم من المسلمين من غير العرب على تعلم اللسان العربي، فصاغوا القواعد ووضعوا الأسس التي يستقيم بها اللسان، وخطوا خطوات مباركة في هذا المجال وتركوا لنا تراثا زاخر ا من الكتب والمؤلفات.

فقد قام علماء العربية باستقراء لغة العرب وجمعوا الكثير من مفرداتها، ودرسوا أصواتها وحروفها، ووضعوا لها أصولا تجمع شواردها وتقيد أوابدها نحوا وصرفا ودلالة، وبذلوا في سبيل تحقيق هذه الغاية الشريفة الغالي والنفيس، فقطعوا البوادي وجابوا القفار وشافهوا العرب الأقحاح الذين خلصت ألسنتهم من العجمة، وسلمت سليقتهم من اللحن والتحريف، ووضعوا شروطا للنقل وحدودا للاستشهاد، فجمعوا الكثير من المواد ثم قاموا بتصنيفها وترتيبها، وبنوا على أساسها قواعد ثابتة، وأصولا محكمة، ورغم احتكامهم إلى معيار الكثرة في بناء القواعد، فإنهم مع ذلك لم يغفلوا الإشارة إلى القليل والنادر والشاذ، وحاولوا تفسيره في ضوء قواعدهم الأصلية، وبحثوا عن مبررات الخروج على هذه القواعد.

ومع أن العلوم الشرعية كانت أسبق من حيث النشأة من العلوم اللغوية، إلا أن العلوم اللغوية كانت وما زالت ضرورة ملحة لفهم النص القرآني وتفسيره واستنباط أحكامه، ومن أجل هذه الغاية الشريفة نشأت العلوم الشرعية والعلوم اللغوية على حد سواء، كما اشترط في الفقيه أو المفسر أن يكون عالما باللغة، بارعا في اللسان العربي، ومنذ اللحظة الأولى لنشأة هذه العلوم وهي لا تنفك وثيقة الصلة ببعضها، ومن أوضح مظاهر هذا الارتباط هو ارتباط أصول النحو بأصول الفقه، حيث سار النحويون على الدرب نفسه الذي سلكه الفقهاء والأصوليون في صياغة قواعدهم واستنباط أحكامهم.

-موضوع البحث:

من الأصول المشتركة بين النحويين والفقهاء: السماع، والقياس، والاستصحاب. إلا أن هذا الأصل الأخير وهو الاستصحاب، وإن كان من الأصول والأدلة المعتبرة عند النحويين والفقهاء على حدٍّ سواء، إلا أنه ليس في قوة الأدلة الأخرى، ولا يُلجأ إليه إلا حيث لا دليل. ومع ذلك يمكن أن يفسر لنا هذا الأصل العديد من القضايا اللغوية التي كثر الخلاف حولها كما يمكن استخدامه في توجيه الشواهد النحوية والقراءات القرآنية لذا عقدت العزم على دراسة هذا الدليل في وبحث إمكانية استخدامه في ذلك. واخترت له عنوان: (الاستصحاب ودوره في توجيه الشواهد النحوية).

-أهمية الموضوع:

رغم التصريح بضعف دليل الاستصحاب بين غيره من أدلة النحو وأصوله، إلا أنه يمكن من خلاله تفسير العديد من القضايا التي كانت مثار خلاف بين النحويين على مر العصور، كما يمكن من خلاله تفسير العديد من مظاهر التطور اللغوي في ضوء القواعد الكلية التي صاغها النحويون واللغويون. ومن هنا جاءت فكرة هذا البحث، وذلك لاستكشاف ملامح هذا الدليل الضعيف وبيان مكانته الحقيقية بين أدلة النحو المعتبرة، وبيان المشكلات التي يمكن حلها من خلاله، ومناقشة بعض الشواهد التي وردت في كتب النحو ويمكن تفسيرها في ضوئه، والكشف عن أوجه استخدام النحويين له، وأنه في الأساس ينبني على قضية افتراضية هي قضية الأصالة والفرعية، وعلى الرغم مما يقال حول هذه القضية إلا أنها تسهم بشكل أو بآخر في رصد التطور التاريخي لقواعد اللغة ومفرداتها، خاصة في ظل وجود الشواهد والدلائل الدالة على ذلك.

ولعل الجديد الذي يقدمه هذا البحث هو محاولة الاستفادة من أصل استصحاب الحال في توجيه وتفسير الشواهد النحوية والقراءات القرآنية التي جاءت مخالفة للقياس والقواعد النحوية، سواء أكانت العلة في ذلك استصحاب أصل الوضع أم أصل القاعدة أم أصل الاستعمال.

-الدراسات السابقة:

لقد شجعني على بحث هذا الموضوع أن ما قدم فيه من دراسات حتى الآن لم يفِ بالغرض ولم يكشف عن جوانب الاستفادة من العمل بهذا الدليل. فقد تناوله العديد من النحويين القدماء من أمثال ابن جني ، وأبي البركات الأنباري، والسيوطي، وغيرهم إلا أن دراستهم له جاءت متفرقة، ولم تكشف عن جوانب الاستفادة منه باستثناء بعض المسائل التي رجحها البصريون في ضوئه وذكرها الأنباري في كتابه الإنصاف في مسائل الخلاف.

أما في العصر الحديث فقد تناوله أستاذنا الدكتور تمام حسان في كتابه الأصول، كما تناوله عدد من الباحثين في أطروحاتهم الجامعية في ثنايا حديثهم عن أصول النحو العربي لدى بعض النحويين القدماء، وتناوله باحثون آخرون منهم خليل ياسر البطاشي([1])، وعاطف خليل([2]).

والملاحظ على جميع هذه الدراسات الحديثة أنها لم تقدم جديدا حيث اكتفى معظمها بذكر التعريفات التي وردت له لدى القدماء مع ذكر بعض المسائل المتعلقة به والتي أوردها الأنباري في كتابه الإنصاف في مسائل الخلاف. باستثناء ما قدمه الدكتور تمام حسان من تفصيلات أدت كشف بعض الغموض الذي اكتنف هذا الدليل ردحا من الزمن. وسيرد الحديث عن هذه الدراسات والرأي فيها في المبحث الأول من هذه الدراسة.

-طريقة البحث ومنهجه:

استخدم الباحث طريقة خاصة في هذا البحث حيث تتبع الآراء التي ذكرها العلماء وقام بجمعها وحاول مناقشتها والترجيح بينها، كما اجتهد في سرد الأمثلة اللغوية التي توضح نقاط البحث وتؤيد فكرته، وحاول الجمع بين النظرية والتطبيق، ومن ثم فالمنهج الغالب على البحث هو المنهج الوصفي.

-مصادر: البحث:

اعتمد البحث في جمع مادته العلمية على العديد من كتب النحو والأصول والمعاجم اللغوية بالإضافة إلى بعض البحوث الحديثة وقد أرجأت الحديث عنها في نهاية البحث.

-خطة البحث:

قسمت مادة البحث إلى مقدمة، وأربعة مباحث، وخاتمة، وقائمة تفصيلية بالمصادر والمراجع التي استقى منها البحث مادته العلمية.

والله تعالى أسأل أن ينفع بهذا العمل في الدنيا والآخرة، وأن يعفو بفضله وكرمه عما وقع فيه من خطأ أو زلل، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وهو حسبي ونعم الوكيل.

الباحث 

د/ إبراهيم محمد أبو اليزيد خفاجة

أستاذ النحو والصرف والعروض المساعد بجامعة شقراء 

المبحث الأول:

تعريف الاستصحاب ومكانته بين الأدلة

1- الاستصحاب في اللغة:

الاستصحاب في اللغة مادة (صحب) وتدور معاني هذه المادة في المعاجم العربية حول المصاحبة والمعاشرة والملازمة، والدعوة إلى الصحبة، يقال صحبه: عاشره. والصاحب: المعاشر، والجمع أصحاب. واصطحب الرجلان وتصاحبا، واصطحب القوم: صحب بعضهم بعضا. واستصحب الرجل: دعاه إلى الصحبة، وكل ما لازم شيئا فقد استصحبه. وأصحبته الشيء: جعتله له صاحبا. واستصحبه دعاه إلى الصحبة ولازمه. وصحب فلان فلانا: لازمه وعاشره([3]).

2-تعريف الاستصحاب في الاصطلاح:

أ-تعريف الاستصحاب عند الفقهاء:

عرفه ابن القيم فقال: “قَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي الاسْتِصْحَابِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ أَقْسَامَهُ وَمَرَاتِبَهَا فَالاسْتِصْحَابُ: اسْتِفْعَالٌ مِنْ الصُّحْبَةِ ، وَهِيَ اسْتِدَامَةُ إثْبَاتِ مَا كَانَ ثَابِتًا أَوْ نَفْيُ مَا كَانَ مَنْفِيًّا”([4]). ثم ذكر أقسامه فقال: “وَهُوَ ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ : اسْتِصْحَابُ الْبَرَاءَةِ الأصْلِيَّةِ ، وَاسْتِصْحَابُ الْوَصْفِ الْمُثْبِتِ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ حَتَّى يَثْبُتَ خِلافُهُ ، وَاسْتِصْحَابُ حُكْمِ الإجْمَاعِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ “([5]).

وعرفه السيوطي فقال: “استصحاب الحال شرعا هو بقاء الشيء على حله أو حرمته حتى تقوم قرينه أو دليل تخرجه عن ذلك”([6]) . ومثل له فقال: ” إذا حلف ليأكلن هذا الرغيف غدا فأتلفه اليوم قبل الغد، فهل يحنث في الحال أو حتى يجيء الغد؟ وجهان أصحهما الثاني”([7]).

وعرفه الشوكاني بأنه: “بقاء الأمر ما لم يوجد ما يغيره، بمعنى أن ما ثبت في الماضي فالأصل بقاؤه في الزمن الحاضر والمستقبل”([8]). 

وعرفه الدكتور علي حسب الله بقوله: “الاستصحاب لغة طلب المصاحبة، وعند الأصوليين: الحكم على الشيء بما كان ثابتا له أو منفيا عنه لعدم قيام الدليل على خلافه، فمعناه عدم قيام الدليل على تغير حكم سابق”([9]).

وفسر ذلك فقال: “فكل طعام وشراب ليس في الشرع ما يدل على حرمته يكون مباحا؛ لأن الله تعالى إنما خلق ما في الأرض لينتفع به الناس كما قال تعالى: [هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] {البقرة:29} . ولا يكون كذلك حتى يقوم دليل على الحرمة.. فالأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت خلافه”([10]).

وعرفه الشيخ محمد أبو زهرة فقال: “هو استدامة ما كان ثابتا ونفي ما كان منفيا، أي بقاء الحكم نفيا وإثباتا حتى يقوم دليل على تغير الحال”([11]). ومن أمثلته: من علمت حياته في زمن معين، فإنه يحكم باستمرار حياته حتى يوجد دليل على وفاته، فالمفقود مثلا يحكم بحياته حتى يوجد ما يدل على الوفاة أو يوجد من الأمارات ما يدل على الوفاة، ويحكم بناء على هذه الأمارات”([12]). 

نخلص مما سبق أن الاستصحاب هو بقاء الحكم على أصله حتى يقوم دليل يخرجه عن هذا الأصل، فإذا كان الأصل في الأشياء الإباحة كالأطعمة والأشربة فالأصل بقاء الإباحة حتى يقوم دليل على التحريم، وإذا كان الأصل في الأشياء التحريم كالأبضاع([13])مثلا فالأصل بقاء التحريم حتى يقوم الدليل على الحل والإباحة وهو الزواج([14]).

ب-مكانة الاستصحاب بين أدلة الفقه:

أما من حيث مكانة الاستصحاب بين أدلة الفقه وأصوله فهو دليل ضعيف وآخر مدار للفتوى. قال الخوارزمي: ” هو آخر مدار للفتوى، فإن المفتي إذا سئل عن حادثة يطلب حكمها من الكتاب والسنة، ثم الإجماع، ثم القياس، فإن لم يجده يأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي والإثبات، فإن كان التردد في زواله فالأصل بقاؤه وإن كان التردد في ثبوته فالأصل عدم بقائه”([15]). “فالاستصحاب ليس في حد ذاته دليلا فقهيا ولا مصدرا للاستنباط، ولكنه إعمال لدليل قائم، وإقرار لأحكام ثابتة لم يحصل تغيير فيها… والاستصحاب يؤخذ به حيث لا دليل”([16]).

ج-تعريف الاستصحاب عند النحويين:

نقل النحويون دليل الاستصحاب من الفقهاء فهو دليل فقهي بالدرجة الأولى، ولكن النحويين كان لهم فهم خاص لدلالة هذا الأصل كما إنهم حاولوا تطبيقه على بعض مسائل النحو وجعلوا له مكانة بين أدلة النحو المعتبرة، بالرغم من التصريح بضعفه، فهو ليس استصحاب الحال في النفي والإثبات كما ذهب الفقهاء، بل هو استصحاب الأصل في الوجود أو الوضع أو الاستعمال في بعض مسائل اللغة، ولا يترتب عليه حكم شرعي تتوقف عليه الفتوى كما هو الحال عند الفقهاء.

ومع أن دلالة الاستصحاب كانت واضحة المعالم عند سيبويه إلا إنه لم يرد ذكر لهذا المصطلح في كتابه، تقول خديجة الحديثي: “أما سيبويه فقد استدل بهذا الدليل في مواضع كثيرة من كتابه وإن لم يصرح به ولم يسمه استصحاب الحال أو استصحاب أصل”( ([17]).

ولو ذهبنا نتتبع المواضع التي استدل عليها النحويون باستصحاب الحال أو الأصل منذ سيبويه لوجدناها كثيرة .فقد مثل له ابن جني (ت 392هـ) في خصائصه، ولكن دلالته لم تكن بذلك الوضوح الذي أورده الأنباري فيما بعد، فقد عقد له ابن جني بابا أسماه ” باب إقرار الألفاظ على أوضاعها الأول ما لم يدع داعٍ إلى الترك والتحول” وهو ما يساوي مصطلح الاستصحاب عند غيره من النحويين.

والاستصحاب عند ابن جني يعني خروج الكلام على الإحاطة بمحصول الحال، ومثَّل لذلك بـ (أو)، حيث قال: “من ذلك (أو) إنما أصل وضعها أن تكون لأحد الشيئين أين كانت وكيف تصرفت فهي عندنا على ذلك” ([18]).

ولعل أول من تناول مصطلح الاستصحاب صراحة فعرفه وأبان عن مكانته بين أدلة النحو، ومثل له هو أبو البركات الأنباري (ت 577هـ) في أكثر من كتاب من كتبه. حيث قال: ” وأما استصحاب الحال فبقاء حال اللفظ على ما يستحقه في الأصل عند عدم النقل عن الأصل، كقولك في فعل الأمر إنما كان مبنيا لأن الأصل في الأفعال البناء، وإن ما يعرب منها لشبه الاسم، ولا دليل على وجود الشبه، فكان باقيا على الأصل في البناء”([19]).

وقال أيضا: “والمراد باستصحاب حال الأصل في الأسماء وهو الإعراب، واستصحاب حال الأصل في الأفعال وهو البناء حتى يوجد في الأسماء ما يوجب البناء، ويوجد في الأفعال ما يوجب الأعراب”([20]).

وعقد السيوطي (ت 911هـ) كذلك بابا كاملا عن الاستصحاب في كتابه عن أصول النحو، نقل فيه تعريف الأنباري له ولم يزد عليه شيئا([21]).

أما المحدثون فقل من تناول هذا الأصل بالبحث والدراسة باستثناء بعض الدراسات التي تناولت أصول النحو عند بعض النحويين كسيبويه والفراء وابن جني والأنباري في رسائل جامعية([22]).

ولم يتناوله كثير من المحدثين الذي كتبوا في أصول النحو بالرغم من أنه من الأدلة المعتبرة كما صرح بذلك الأنباري، حيث حاولت البحث عن ذكر لهذا الدليل في بعض الكتب التي تحمل عنوان أصول النحو فلم أجد له أثرا([23]).

والمصدر الوحيد الذي وجدت فيه تناول هذا الدليل بالبحث والدراسة هو كتاب (الأصول: دراسة إبستمولوجية لأصول الفكر اللغوي العربي) لأستاذنا الدكتور تمام حسان، حيث عقد فصلا كاملا عن الاستصحاب محاولا تحليله وبيان مكانته بين أدلة النحو المعتبرة، إلا أنه لم يقدم له تعريفا محددا كما عرفه الأنباري؛ بل جاء تناوله له تناولا ضمنيا من خلال تطبيقاته العديدة التي استخرجها من كتب الأنباري ومسائله، ومن خلال دراسته الشاملة لفكرة كتابه عن أصول الفكر اللغوي العربي([24]).

ويلتمس العذر للنحويين القدماء في عدم اعتنائهم بهذا الدليل فيقول: “ولست ألوم المؤلفين في أصول النحو على أن تفاصيل نظرية الاستصحاب لم تكن واضحة في أذهانهم؛ إذ لو كان الأمر كذلك لما استطاعوا أن يحسنوا التطبيق، وكل ما أوجهه إليهم أنهم تركوا الكثير من المعلومات دون إثبات؛ لأنهم اتكلوا على شيوعها في زمانهم، أو لأنهم لم يجدوا من الضروري إثباتها؛ لأن الاستصحاب كان عندهم من أضعف الأدلة”(([25]).

واكتفى باحث آخر بنقل تعريفات الاستصحاب عند الفقهاء والنحويين، وسرد المسائل النحوية التي احتج فيها النحويون بهذا الدليل، ولم يكشف بوضوح عما يمكن أن يقدمه هذا الدليل من تفسير للعديد من القضايا الخلافية، أو مدى الاستفادة منه في توجيه الشواهد النحوية أو في دراسة التطور التاريخي للغة([26]).

د-مكانة الاستصحاب بين أدلة النحو: 

تباينت مواقف الفقهاء في تحديد مكانة دليل الاستصحاب وأهميته بين أدلة الفقه على نحو ما أسلفنا فهو عندهم ” آخر مدار للفتوى”، “ويؤخذ به حيث لا دليل” ، ” وليس في حد ذاته دليلا فقهيا ولا مصدرا للاستنباط، ولكنه إعمال لدليل قائم، وإقرار لأحكام ثابتة لم يحصل فيها تغيير”([27]).

وانتقل هذا التباين في النظر إلى هذا الدليل (الاستصحاب) إلى النحويين، حيث اختلفت نظرة النحويين له وفي ترتيبه بين أدلة النحو، وجاء ذلك نتيجة مباشرة لمحاولة النحويين وضع أصولهم النحوية على نمط الأصول الفقهية. فقد جعله الأنباري الدليل الثالث من أدلة النحو بعد النقل والقياس فقال: “وأدلة صناعة الإعراب ثلاثة: نقل، وقياس، واستصحاب حال” ([28]).

بينما يقدمه بعض المحدثين على القياس ويجعله في المرتبة الثانية بعد السماع مباشرة، حيث قال: ” وهكذا عقدت العزم على محاولة الكشف عن تفاصيل النظر في هذا الدليل وان أضعه موضعه الصحيح في ترتيب الخطة النحوية متوسطا بين السماع والقياس، لأن القياس لا يكون إلا بعد أن يتضح الأصل والفرع ويعرف المطرد والشاذ”([29]). بل إن بعض الباحثين أنكر وجود هذا الدليل أصلا بين أدلة أصول النحو، حيث قال: ” إن قاعدة استصحاب الحال من مستلزمات القول بالقياس؛ لذلك فهي ليست أصلا من أصول النحو”([30]). ويعلل لذلك قائلا: ” لأن التمسك بقياس الشيء أو بأصله لا يحتاج إلى دليل، والاستدلال على ذلك تحصيل حاصل؛ بل كيف يكون قياس الشيء دليلا ويكون التمسك ببقاء الشيء دليلا آخر”([31]). ومع ذلك نجده يناقض نفسه في موضع آخر فيعترف به حيث يقول: “أما بالنسبة لاستصحاب الحال فهو أصيل في علم أصول النحو”([32]).

هذا من حيث رتبة دليل الاستصحاب بين أدلة النحو وأصوله، أما من حيث قوته وضعفه، فهو دليل ضعيف عند الأنباري على الرغم من الاعتراف به، حيث قال: “واعلم أن استصحاب الحال من الأدلة المعتبرة” وقال أيضا: “واستصحاب الأصل من أضعف الأدلة، ولهذا لا يجوز التمسك به ما وجد هناك دليل، ألا ترى أنه لا يجوز التمسك به في إعراب الاسم مع وجود دليل البناء في شبه الحرف وتضمن معناه، وكذلك لا يجوز التمسك به في بناء الفعل مع وجود دليل الإعراب في مضارعته الاسم، وعلى هذا قياس ما جاء في النحو”([33]). ثم يقول في موضع آخر: “فاستصحاب الحال لا يجوز الاستدلال به ما وجد هناك دليل بحال”([34]).

والذي أختاره من بين تلك الآراء أن الاستصحاب أحد الأدلة المعتبرة في أصول النحو بالرغم من القول بضعفه وزواله إذا وجد دليل أقوى منه، وهو في نظري مقدم على القول بالقياس لأن القول بالقياس يقتضي معرفة المقيس والمقيس عليه، فالمقيس فرع، والمقيس عليه أصل، ومعرفة الأصل واجبة، ومجيء الشيء على أصله استصحابا له واستئناسا به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

كما أن الاعتراف بهذا الدليل والعمل به يمكن أن يحل لنا الكثير من المشكلات اللغوية ويوضح العديد من التأويلات والتفسيرات التي يذهب فيها النحويون مذاهب شتى. كما يمكن من خلاله توجيه بعض القراءات القرآنية التي قال النحويون بشذوذها، ويمكن أن تفسر في ضوئه بعض الشواهد الشعرية التي قال النحويون فيها بالضرورة أو مخالفة القاعدة والقياس.

فعلى سبيل المثال الأصل في الأسماء الصرف، والمنع من الصرف إنما يكون لعلة موجبة لذلك، وهو فرع على الأصل، فإذا ما تصرف شاعر فصرف الممنوع من الصرف فإن النحويين يحملون ذلك على الضرورة الشعرية، وإذا لم تكن هناك ضرورة فإنه بإمكاننا تفسير هذا المسلك بأنه رد إلى الأصل واستصحابا له. كما أن الأصل في الأفعال البناء والإعراب فرع عليه لشبه الاسم، فإذا دخلت نون التوكيد على الفعل المضارع وهو ومعرب بني، أي: رد لأصله وهو البناء استصحابا له.

المبحث الثاني:

الاستصحاب وعلاقته بقضية الأصل والفرع

ارتبط دليل الاستصحاب بقضية أصولية كبيرة هي قضية الأصل والفرع، وتفرع عن هذه المسألة العديد من القضايا تمثلت في تحديد المقصود بالأصل والفرع والأمثلة الدالة على ذلك، والعدول عن الأصل إلى الفرع وأسبابه، ورد الفرع إلى أصله وأسبابه. لذا وجب تناول هذه الأمور بشيء من التفصيل:

أولا: المقصود بالأصل والفرع:

يبدأ اللغوي بجمع المادة المسموعة ويجري عليها الاستقراء والملاحظة، ثم يخضعها للتصنيف، حتى إذا استقامت له الأصناف ووضحت أمامه الصور جرد صورة أصلية لهذه الصور، وجعل ما عداها من الصور عدولا عن هذا الأصل وفرعا عليه، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة القياس التي يتم فيها قياس الفروع على تلك الأصول المجردة([35]). ومن ثم فالأصل صورة ذهنية مجردة معقولة لا منطوقة يحاول النحوي أن يكشف عنها من خلال النظر في الاستعمال([36]).

وهذا الأصل هو الذي يقيس عليه النحوي الفرع الذي يخرج عليه لعلة ما، ونقصد بالأصل في كل ذلك أصل الوضع وليس أصل الاستعمال؛ إذ إن اللفظ قد يخرج عن أصل وضعه لاعتبارات كثيرة، ويستعمل على صور غير صورة أصله الذي وضع عليه. وفيما يلي ذكر لبعض صور الأصول التي وردت في كتب النحو العربي:

1-أصل الحرف:

كان مدخل النحاة إلى إنشاء فكرة أصل الحرف هو فكرة ذوق الحروف، وقد كان الغرض من هذه الفكرة في البداية أن تختبر المخرج والصفات التي تحدد نطق الحرف في حال إفراده”([37]). وعلى هذا الأساس قسم النحاة أصوات العربية إلى أصول وفروع، ورأوا أن الأصل هو منطلق التحليل، تنسب إليه الفروع، وكأنهم ينسبون إلى الأصل نوعا من الحدس في سليقة المتكلم العربي يجعله يسعى عند النطق إلى تحقيق الأصل، فتحول مطالب الموقع والجوار دون تحقيق الأصل.. وكان هذا الحدس يربط في ذهن النحاة بين الأصل والمعنى([38]).

فمثلا لو مثلنا بالنون نجد فيها الأصول التالية، وكل واحد من هذه الأصول صالح من الناحية الصوتية لأن يعدل عنه إلى غيره، وتلك الأصول هي:

أ-الأصل في النون أن تنطق من اللثة.

ب- الأصل في النون أن تكون أنفية.

ج- الأصل في النون أن تكون مجهورة.

د- الأصل في النون أن تكون مرققة.

فالنون تتغير صفاتها حسب ما يقتضيه الموقع والجوار مثلا، فالنون في الكلمات التالية: (ينبغي- نلعب-نرمي-منكر) قد اختلفت صفاتها حسب ما جاورها من حروف، وحسب موقعها في الكلمة، كذلك التاء مع الطاء، والسين مع الصاد تختلف صفاتها([39]).

2-أصل الكلمة:

أصل الوضع بالنسبة للكلمة الاشتقاقية مكون من عنصرين: أصل الاشتقاق، وأصل الصيغة. وحين يتقاطع هذان العنصران يأتي من التقائهما أصل مجرد في الذهن وهو عبارة عن نموذج أو صورة معقولة لا منطوقة يحاول النحوي أن يكشف عنها من خلال النظر في الاستعمال”([40]).

والكلمة سواء أكانت صحيحة أم معتلة تعود إلى أصل وضع جرده لها النحاة، وفائدة هذا الأصل أنه معيار اقتصادي تُردُّ إليه الكلمة وتقاس به إذا تجافى بها الاستعمال عند مطابقته بما أصابها من تغيير أو تأثير كالإعلال والإبدال والقلب والنقل والحذف والزيادة.. إلخ”([41]).

وعلى هذا فهناك بعض الأصول المرفوضة، وذلك لتعذر النطق بها، مما يدل على أنها من وضع النحاة، ولم تكن مستخدمة في اللغة، ولا تتماشى مع قوانين التطور اللغوي التي تسعى إلى التطور من الصعب إلى السهل. قال ابن جني: “ومن أول الدليل على أن هذه الأشياء التي ندعي أنها أصول مرفوضة لا يعتقد أنها قد كانت مرة مستعملة ثم صارت من بعد ذلك مهملة ما تعرضه الصنعة فيها من تقدير ما لا يطوع النطق به لتعذره”([42]).

فمثلا الأصول في كلمات مثل: (سماء، وقضاء، وكساء) هي: (سماو، وقضاي، وكساو) من الأصول المرفوضة، لأنه لما وقعت الواو والياء طرفا بعد ألف زائدة قلبتا ألفين فصارتا: (سماا، وقضاا) وهذا لا يمكن أن ينطق به، ومن ثَمَّ تحركت الألف الثانية وقلبت همزة. ومما يؤكد هذا الأمر ما ذكره ابن جني حيث قال: “أفلا تعلم أن أحد ما قدرته -وهو التقاء الساكنين- لا قدرة لأحد على النطق به”([43]). ومن الأمثلة على الأصل والفرع في الكلمة ما يلي:

أ-الأصل في الأسماء الصرف والمنع من الصرف فرع.

ب-الأصل في الأسماء الإعراب والبناء فرع.

ج-الأصل في الأفعال البناء والإعراب فرع.

د-المفرد (البسيط) أصل والمركب فرع.

هـ-الواحد أصل والمثنى والمجموع فرع.

و-المذكر أصل والمؤنث فرع.

ز-النكرة أصل والمعرفة فرع.

ح-الأصل في الأسماء ألا تعمل.

ط-الأصل في الظروف ألا تعمل.

ي-الأصل في الأفعال أن تعمل

ك-المظهر أصل والمضمر فرع([44]). 

نخلص من هذا إلى أن ما يسميه النحاة أصل الوضع وهو المعول عليه في القول بالاستصحاب “هو في الحقيقة فكرة مجردة تعتبر ثابتا من ثوابت التحليل اللغوي، ترد إليه أنواع الكلمات المختلفة وتستأنس بها شواردها وأوابدها، حتى إذا ما خضعت هذه الأوابد لذلك الأصل المطرد سهل على النحاة أن يبنوا قواعدهم على هذه الأصول”([45]).

3- أصل الجملة:

للجملة عند النحاة ركنان أساسيان هما: المسند والمسند إليه، وفي الجملة الاسمية فإن المبتدأ هو المسند إليه والخبر هو المسند، أما الجملة الفعلية فإن الفاعل أو نائبه هو المسند إليه، والفعل هو المسند. وكل ركن من الركنين السابقين عمدة لا تقوم الجملة إلا به، وما عداهما مما تشتمل عليه الجملة فهو فضلة يمكن الاستغناء عنه([46]). ومن صور الأصل والفرع في بناء الجملة ما يلي:

أ-الأصل في ركني الجملة الذكر، فإذا عدل عنه إلى الحذف وجب تقدير المحذوف.

ب-الأصل في ركني الجملة الإظهار فإذا أضمر أحد الركنين وجب تفسيره.

ج-الأصل في ركني الجملة الوصل، وقد يعدل عنه إلى الفصل.

د-الأصل في ركني الجملة الرتبة المحفوظة وقد يعدل عنه إلى الرتبة غير المحفوظة.

هـ-الأصل في الكلام الإفادة.

و-الأصل في الإعراب أن يُفرِّقَ بين المعاني المختلفة.

ز-الأصل ألا يجمع بين علامتي تأنيث.

ح-الأصل ألا يدخل العامل على العامل.

ط-الأصل في الفعل أن يكون له فاعل.

ي-الأصل ألا يجتمع عاملان على معمول واحد.

ك-الأصل ألا يجوز تقديم ما يرتفع بالفعل عليه.

ل-الأصل أن تكون رتبة العامل قبل رتبة المعمول([47]). 

4- أصل القاعدة:

القاعدة الأصلية: هي تلك القاعدة المبنية على الاستقراء والتحليل الدقيق بحيث تشمل كل أو معظم الشيء المدروس وتنطبق عليه أحكامها. أما القاعدة الفرعية: فهي تلك الصور التي تخرج على القاعدة الكلية الأصلية ولا تنطبق عليها أحكامها بحيث تقتضي أحكاما جديدة لا توجد في القاعدة الأصلية. فالقاعدة الأصلية إذن هي: “تلك القاعدة السابقة على القيود والتعريفات كقاعدة رفع الفاعل ونائب الفاعل والمبتدأ، وتقدم الفعل على الفاعل، وتقدم الموصول على صلته، وافتقار الحرف إلى مدخوله”([48]).

ومن أمثلة القواعد الأصلية ما يلي:

أ-الأصل في الكلام أن يوضع للفائدة. يقوم ابن مالك:

كلامنا لفظ مفيد كاستقم

واسم وفعل ثم حرف الكلم

واحده كلمة واللفظ عم

وكلمة بها كلام قد يؤم([49])

ب-الأصل في الصفة أن تتبع الموصوف.

ج-الأصل أنه لا يجوز تقديم ما يرتفع بالفعل عليه.

د-الأصل أن تكون مرتبة الجزاء بعد مرتبة الشرط.

هـ-الأصل أن كل ما جاز أن يكون صفة للنكرة جاز أن يكون حلا للمعرفة.

و-الأصل أن عوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال وعوامل الأفعال لا تعمل في الأسماء.

ز-الأصل في المبتدأ أن يكون معرفة وفي الخبر أن يكون نكرة.

قال ابن مالك:

ولا يجوز الابتدا بالنكرة

ما لم تفد كعند زيد نمرة([50])

ح-الأصل ألا يجمع بين العوض والمعوض عنه([51]).

ط-الأصل في الحرف ألا يدل إلا على ما وضع له([52]).

ثانيا: العدول عن الأصل وأسبابه:

يقصد بالعدول عن الأصل الخروج عليه وتركه ومخالفته على نحو أو آخر، ويعدل عن الأصل لعدة أسباب منها ما يلي:

1-أن يكون هذا الأصل غير مستخدم، أي: أصلا مهملا نتيجة للتطور اللغوي أو عدم الاستخدام.

2- صعوبة النطق بهذا الأصل كان يجتمع فيه ساكنان مثلا.

3- اقتصاد المتكلم في جهد النطق بدفع المشقة.

4- الضرورة الشعرية.

5-الترخص الأسلوبي والبلاغي.

والعدول عن أصل الوضع في الحرف أو في الكلمة أو في الجملة أو في القاعدة إما يكون مطردا أو غير مطرد، فإذا لم يكن العدول مطردا فذلك ما سماه النحاة بالشاذ، فإن كان فصيحا فإنه يحفظ ولا يقاس عليه”([53]).

والأمثلة على العدول عن الأصل كثيرة منها ما يلي:

1- الحذف: ومنه ما يلي:

أ-قول لبيد بن ربيعة:

دَرَسَ المنا بِمُتالِعٍ فأَبانِ

بالحْبْسِ بين الْبِيدِ والسُّوبانِ ([54])

أي: المنازل. حيث عدل عن الذكر إلى الحذف.

ب-وقول العجاج بن رؤبة:

أوَالفاً مكةَ من وُرْق الحَمِى ([55]).

أراد: الحمام.

ج-وقول خفاف بن ندبة السلمي:

كنواحِ ريشِ حمامةٍ نجديّة 

ومسحت باللّثتينِ عَصفَ الإثمدِ ([56])

أي: كنواحي. 

د-وقول النجاشي:

فَلَسْتُ بآتيهِ ولا أستطيعه

ولاكِ اسْقِني إن كان ماؤكَ ذا فَضلِ ([57]).

أي: ولكن اسقني

هـ-وقول مالك بن خزيم الهمداني:

فإن يك غثا أو سمينًا فإنني

سأجعل عينيه لنفسه مقنعاً ([58])

أي: يكن.

و-وقول الآخر:

الحمدُ للّه العَلِيّ الأَجْلَل ([59]).

أي: الأجلِّ.

ز-وقوله تعالي: ( [وَطُورِ سِينِينَ] {التِّين:2} .

أي: سيناء.

ح-وقوله تعالى: [مَنْ كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ] {البقرة:98} .

أي: جبرائيل وميكائيل.

2-القلب: ومنه ما يلي:

أ-إذا تحركت الواو أو الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا نحو: قال وباع، الأصل فيهما: قول وبيع.

ب-إذا وقعت الواو أو الياء متطرفة إثر ألف زائدة قلبت همزة كما في كساء وبناء الأصل فيهما (كساو وبناي).

ج-إذا وقعت الواو لاما لفعلى وصفا قلبت ياء كما في الدنيا والعليا الأصل فيهما (دنوى وعلوى).

د- تنقل حركة المعتل إلى الساكن الصحيح قبله نحو: إقامة حيث نقلت حركة الألف إلى القاف التي قبلها فالأصل إقوام.

هـ-إذا وقعت تاء الافتعال بعد حرف مطبق قلبت تاء نحو: مصطفى، واضطراب، واصطبر، الأصل فيها: مصتفى، واضترب، واصتبر.

و- إذا جاءت النون الساكنة قبل باء قلبت ميما كما في (بنبغي) ومنه قوله تعالى: [… للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ] {الرُّوم:4} .

ومنه قوله تعالى: [قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا] {الفرقان:18} .

3- الإدغام: ومنه ما يلي:

-إذا سكن أول المثلين وحرك ثانيهما وجب إدغامهما نحو: (مدَّ، شد، هدََّّ، ردَّ، عضَّ، ملَّ، علَّ… إلخ).

ثالثا: الرد إلى الأصل وأسبابه:

سبق أن بينا أنه قد يعدل عن الأصل وأوضحنا أسباب هذا العدول في الفقرة السابقة، والآن نتناول الرد إلى الأصل أي: ( رد الفرع إلى أصله) أو ما يسمى بمراجعة الأصول كما ذكر السيوطي([60]).

فإذا كان من حق كان المتكلم أن يعدل عن أصول الأصوات والكلمات والجمل ويردها إلى فروعها، لآن هذه الأصول لا تنطق، وإنما تنطق الفروع، أو بدافع التخلص من الجهد والمشقة في النطق أو غير ذلك من الأسباب التي ذكرت فيما سبق، فإن الوضع بالعكس بالنسبة للسامع أو الكاتب. فكلاهما يرد الفرع إلى أصله، أما الكاتب فإن يشق عليه أن يمثل لكل صوت من الأصوات برمز خاص، ومن ثم يرد الفروع التي جاء بها المتكلم إلى أصولها، وهو يفعل ذلك اقتصادا للجهد في الكتابة. وأما السامع فإن شأنه في ذلك شأن الكاتب حيث يرد الفروع إلى أصولها بدافع الفهم([61]). ويمكن أن نرد أسباب الرد إلى الأصل كما ذكر أستاذنا الدكتور تمام حسان إلى الأسباب التالية([62]):

1)-إن المعنى يرتبط في الذهن بالأصول لا بالفروع، فحتى يستقيم الفهم يرد الفرع إلى الأصل.

2)-كل من السامع والمتكلم من أصحاب السليقة، وهذه السليقة لها حدس بالأصل، ولا ينبهان إلى اختلاف الفروع إلا إذا نبها إلى الأصول.

3)-إن فهم الفروع لا يتأتى لصاحب السليقة اللغوية إلا إذا أدرك الأصول التي تفرعت عنها.

4)-الضرورة الشعرية.

5)-أمن اللبس. 

وفي هذا السياق يقول ابن جني –رحمه الله-: ” واعلم أن الأصول المنصرف عنها إلى الفروع على ضربين: أحدهما: ما إذا احتيج إليه جاز أن يراجع، والآخر: ما لا يمكن مراجعته؛ لأن العرب انصرفت عنه فلم تستعمله”([63]). 

ثم مثل ذلك فقال: الأول منها: الصرف الذي يفارق الاسم لمشابهة الفعل من وجهين، فمتى احتجت إلى صرفه جاز أن تراجعه فتصرفه. من ذلك قول النابغة:

فلتأتينكَ قصائدٌ وليدفعن

جيشاً إليك قوادم الأكوار ([64])

والثاني: إجراء المعتل مجرى الصحيح نحو قول عبدالله بن قيس الرقيات:

لا باركَ الله في الغواني هل

يُصبحنَ إلاّ لهُنّ مُطّلبُ؟ ([65])

وقولُ أُمَيَّةَ بنِ أَبي الصَّلْتِ:

له ما رأَتْ عَيْنُ البَصِير وفَوْقَه

سَماءُ الإلَهِ فَوْقَ سَبْعِ سَمائِيا ([66])

ومنه قراءة أبي عمرو (يا صالح إيتنا) بتصحيح الياء بعد ضمة الحاء”([67]).

ويمكن التمثيل لرد الفرع إلى أصله بأمثله أخرى عديدة من كتب النحو، حيث يعد كل ما ينطق به المتكلم على سبيل الاقتصار والإضمار والحذف… إلخ، من باب العدول عن الأصل، وأن السامع والكاتب كلاهما يقوم برد هذه الفروع إلى أصولها ليستقيم له المعنى ويصل إلى فهم المراد على وجه الصواب. “ففي كل حالة من هذه الحالات يمكن أن يكون هناك رد إلى الأصل بصورة من الصور في ضوء أصل الوضع أو النمط”([68]). ومن صور الرد إلى الأصل ما يلي:

1-الرد إلى الأصل في باب الاستتار والحذف:

ويتم ذلك من خلال تقدير المستتر أو المحذوف ، ومن أمثلته ما يلي:

أ-يقول ابن مالك:

وفي جواب ” كيف زيد” قل: دنف

فزيد استغني عنه إذ عرف([69])

والتقدير: قل: زيد دنف. 

ب-ومنه قول قيس بن الخطيم:

نحن بما عندنا وأنت بما

عندك راضٍ والرأي مختلف([70]).

والتقدير: نحن بما عندنا راضون.

ج-ومنه قوله تعالى: [وَلَهُ الجَوَارِ المُنْشَآَتُ فِي البَحْرِ كَالأَعْلَامِ] {الرَّحمن:24}.

والتقدير: الجواري.

د-وقوله: [مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ] {الجاثية:15} .

والتقدير: من عمل صالحا فعمله لنفسه، ومن أساء فإساءته عليها.

هـ-وقوله: [وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا] {الطَّلاق:4}.

والتقدير: واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر كذلك. والله أعلم.

و-ومنه قول الشاعر:

يا حار لأرمين منكم بداهية

لا يلقها سوقة قبلي ولا ملك([71])

-ومثله قول مهلهل بن ربيعة:

يا حارِ لا تجهلْ على أشياخِنا

إنّا ذَوو السّوراتِ والأحلام([72])

-وقول امرئ القيس:

أحارِ ترى برقاً أُريكَ وميضَهُ

كلمعِ اليدين في حَبيّ مكلّلِ([73])

على لغة من ينتظر في ترخيم المنادى؟، أراد: يا حارث. وهو في الشعر أكثر من أن أحصيه([74]).

ز-ومنه قول الشاعر:

سراة بني بكر تسامى

على كان المسومة العراب([75])

أراد: على المسومة العراب، فزاد كان.

ح -ومنه قول النعمان ابن المنذر:

قد قيل ذلك إن حقاً وإن كذباً

فما اعتذارك من شيءٍ إذا قبلا([76])

والتقدير: إن كان المقول صدقا، وإن كان المقول كذبا.

2-الرد إلى الأصل في باب الزيادة والفصل والتقديم والتأخير:

ويتم الرد إلى الأصل في باب الزيادة، والفصل، والتقديم، والتأخير، فيتم من خلال تقدير أصل الوضع واستبعاد الزائد أو الفاصل أو تصحيح الرتبة”([77]). وفيما يلي تفصيل ذلك:

أولا: الزيادة، ومن أمثلتها ما يلي:

1)-قول الشاعر:

سراة بني بكر تسامى

على كان المسومة العراب

فكان زائدة بين الحرف ومدخوله وقد فصلت بين المتلازمين.

2)-ومنه قوله تعالى: [فَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ] {يونس:29}.

فالباء زائدة والتقدير: كفى الله شهيدا. والله أعلم.

ثانيا: الفصل، ومن أمثلته ما يلي:

1)-الجملة المعترضة، كما في قوله تعالى: [هَذَا عَطَاؤُنَا- فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ – بِغَيْرِ حِسَابٍ] {ص:39}.

التقدير والله أعلم: هذا عطاؤنا بغير حساب فامنن أو أمسك.

2)-ومنه قوله تعالى: [فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ* إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ] {الواقعة:75-77}. حيث فصل بجملة [وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ] بين المقسم والمقسم عليه.

-ومنه قولنا: زيد –حفظه الله-كريم.

حيث فصل بجملة الدعاء بين المبتدأ وخبره.

ثالثا: التقديم والتأخير ، ومن أمثلته مايلي:

1)-فمنه تقدم النتيجة على السبب كما في قوله تعالى: [ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى] {النَّجم:8} ).

التقدير والله أعلم: تدلى فدنا.

2)-ومنه تقدم خبر دام على اسمها كما في قول الشاعر:

لا طيب للعيش ما دامت منغصة

لذَّاته بادِّكار الموت والهرم([78])

3)-ومنه تقدم خبر ليس على اسمها كما في قول السموءل بن عدياء اليهودي:

سلى إنْ جهلتِ النَّاسَ عنّا وعنهمُ

فليسَ سواءَ عالم وجهولُ ([79])

والتقدير: سلي الناس عنا وعنهم فليس عالم وجهول سواء.

4)-ومنه تقدم الخبر على المبتدأ كما في قول الكميت بن زيد الأسدي:

فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى

عليهم وهل إلا عليك المعول([80])

والتقدير: هل النصر إلا بك، وهل المعول إلا عليك.

5)-ومنه تقديم المعطوف على المعطوف عليه كما في قول الشاعر:

ألا يا نخلة في ذات عرق

عليك ورحمة الله السلام([81])

والتقدير: عليك السلام ورحمة الله.

6)-ومنه قول الشاعر:

خالِي لأنتَ ومَنْ جَرِيرٌ خالُه

يَنَلِ العَلاءَ ويُكْرِمُ الأخْوَالاَ([82])

والتقدير: لأنت خالي.

3-الرد إلى الأصل في باب الإضمار:

لا يكون الرد إلى الأصل بالتقدير (سواء أكان بتقدير المحذوف أم بتقدير أصل الوضع أو أصل البناء) إلا بعد استيفاء التفسير”([83]).

فعلى سبيل المثال قوله تعالى: [إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ] {الانشقاق:1} ، فإن القاعدة النحوية تقول: “أن إذا الظرفية لا تدخل إلا على جملة فعلية” . والرد إلى أصل القاعدة هنا ينبغي تقدير فعل بعد إذا يعتبر مدخولها بحسب الأصل، وهذا المضمر بحاجة إلى مفسر ظاهر نستدل به على خصوص الفعل الواجب التقدير، فتقدير الجملة: (إذا انشقت السماء انشقت). ومنه قوله تعالى: [إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ] {الانفطار:1}.

وعلى هذا فسر النحويون العديد من الآيات التي ورد مشابهة للمثالين السابقين كما في الآيات الواردة في أوائل سورة التكوير([84]) .

وأنا أرى أن هذا التقدير لا داعي له ويمكن القول بأن (إذا) الظرفية كأداة يمكن دخولها على الاسم والفعل على حد سواء ودليلنا على ذلك هو ورد الاستعمال اللغوي بذلك شعرا ونثرا.

فمن أمثلة النثر: ما مثلنا به من آيات قرآنية، ومن أمثلة الشعر قول الشاعر:

إذا بعْضُ السنينَ تَعَرَّقَتْنَا

كفَى الأيتامَ فَقْدَ أبي اليَتِيم([85])

فكثرة الشواهد دليل على صحة الاستعمال.

المبحث الثالث:

تطبيقات الاستصحاب وشواهده في الدرس النحوي

إذا كان المراد بدليل الاستصحاب هو مجيء اللفظ على أصله ما لم يدع داعٍ إلى الترك والتحول كما عرفه علماء الأصول، فإننا سوف نعد كل ما جاء على أصله من أقسام الكلام سواء أكان حرفا أم كلمة أم جملة وكذا القواعد التي وردت على أصولها قد ورد استصحابا لأصله الذي وضع عليه.

” والمسائل التي استدل فيها النحويون بالأصل كثيرة جدا لا تكاد تحصى منها على سيبل المثال قولهم: الأصل في البناء السكون إلا لموجب تحريك، والأصل في الحروف عدم الزيادة حتى يقوم دليل عليها من الاشتقاق ونحوه، والأصل في الأسماء الصرف والتنكير والتذكير وقبول الإضافة والإسناد”([86]).

وكذلك يمكن القول في الاسم المتمكن أن: “الأصل في الأسماء الإعراب وإنما يبنى منها ما أشبه الحرف أو تضمن معناه فكان باقيا على أصله في الإعراب”([87]). أو “التمسك باستصحاب الحال في الفعل كأن تقول في فعل الأمر: الأصل في الأفعال البناء وإنما يعرب منها ما شابه الاسم وهذا الفعل لم يشابه الاسم فكان باقيا على أصله في البناء”([88]). والتطبيقات والشواهد التي ورد القول فيها بالاستصحاب في الدرس النحوي كثيرة منها ما يلي:

أولا: شواهد استصحاب الأصل في الحروف:

الأصل في كل حرف ألا يدل إلا على ما وضع له ولا يدل على معنى حرف آخر، من ذلك على سبيل المثال: (أو) و (هل) و (قد) و(الواو) و(الفاء) و(ثم).

1)-فأما (أو):

فإنها تدل على أحد الشيئين وتفيد الشك قال عنها ابن جني -رحمه الله-: ” إنما أصل وضعها أن تكون لأحد الشيئين أين كانت وكيف تصرفت”([89]).

قال ذو الرمة:

بَدَتْ مثل قَرْنِ الشمسِ في رَوْنَقِ الضُّحَى

وصُورَتِها أَو أَنتِ في العَينِ أَمْلَحُ([90])

فقد ذهب الفراء إلى أن معنى (أو) في الشاهد السابق هو (بل)، أراد: بل أنت في العين أملح. وقد رد ابن جنى هذا التفسير بناء على قاعدة استصحاب الأصل وأيده أبو البركات الأنباري، حيث ذهبا إلى أن (أو) في الشاهد السابق باقية على أصلها في إفادة التخيير بين شيئين، وأنها في موضعها على بابها من إفادة الشك، وكذا ردا ما ذهب إليه قطرب من القول بأن (أو) تأتي بمعنى (بل) ([91]). وعلى هذه القاعدة أيضا خرجت العديد من الأمثلة منها:

قول النابغة:

قالتْ ألا ليتما هذا الحمامُ لنا 

إلى حمامتِنا أوْ نصفهُ فقدِ([92])

وعلق ابن جني على هذا البيت قائلا: “معناه: ونصفه. ولعمري، إن كذا معناه. وكيف لا يكون كذلك ولا بد منه، وقد كثرت فيه الرواية أيضاً بالواو: ونصفه. لكن هناك مذهب يمكن معه أن يبقى الحرف على أصل وضعه: من كون لاشك فيه؛ وهو أن يكون تقديره: ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو هو ونصفه. فحذف المعطوف عليها وحرف العطف؛ على ما قدمناه في قوله عز وجل ” فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ” أي فضرب فانفجرت. وعليه قول الآخر وهو ابن الأحمر:

ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث

إلى ذا كما ما غيبتني غيابيا

أي شهرين أو شهرين ونصف ثالث، ألا تراك لا تقول مبتدئاً: لبثت نصف ثالث؛ لأن ثالثاً من الأسماء المضمنة بما معها. ودعانا إلى هذا التأول السعي في إقرار هذه اللفظة على أول أحوالها”.([93]).

(فأو) في جميع الأمثلة السابقة قد جاء على أصلها مستصحبة له في إفادة معنى الشك، وليس بمعنى الإضراب الموجود في (بل).

وقد ورد الاستعمال القرآني في (أو) بذلك حيث جاءت على أصلها في إفادة الشك كما في قوله تعالى: [أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] {البقرة:259}.

وقوله تعالى: [وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا] {الكهف:19} .

ولذا نجد الأنباري يؤكد هذا المعنى في موضع آخر فيقول: “والأصل في (أو) أن تكون لأحد الشيئين على الإبهام… والأصل في كل حرف أن لا يدل إلا على ما وضع له، ولا يدل على معنى حرف آخر، فنحن تمسكنا بالأصل، ومن تمسك بالأصل استغنى عن إقامة الدليل، ومن عدل عن الأصل بقي مرتهنا بإقامة الدليل”([94]).

ومن ثم فقد رد ابن جني وتابعه الأنباري مذهب الكوفيين في (أو)، حيث ذهبوا إلى أنها ترد بمعنى (الواو) و(بل)، وأبقاها على أصلها في إفادة الشك. حيث قال: ” أما قول الله سبحانه: [وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ] {الصَّفات:147} ، فلا يكون فيه أو على مذهب الفراء بمعنى بل، ولا على مذهب قطرب في أنها بمعنى الواو. لكنها عندنا على بابها في كونها شكاً. وذلك أن هذا كلام خرج حكاية من الله عز وجل لقول المخلوقين. وتأويله عند أهل النظر: وأرسلناه إلى جمع لو رأيتموهم لقلتم أنتم فيهم: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون”([95]).

2)-وأما (هل):

فالأصل فيها أن تفيد الاستفهام، ومن النحاة من ذهب إلى إنها قد تخرج عن معنى الاستفهام وتكون بمعنى (قد) في إفادة التحقيق كما في قوله تعالى: [هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا] {الإنسان:1} ، وقد رد ابن جني هذا المذهب وقال بأنها باقية على أصلها في إفادة الاستفهام حيث قال: ” فأما ” هل ” فقد أخرجت عن بابها إلى معنى قد؛ نحو قول الله سبحانه ” [هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا] {الإنسان:1} ” قالوا: معناه: قد أتى عليه ذلك. وقد يمكن عندي أن تكون مبقاة في هذا الموضع على بابها من الاستفهام، فكأنه قال والله أعلم: هل أتى على الإنسان هذا؟ فلا بد في جوابه من نعم ملفوظاً بها أو مقدرة”([96]).

3)- وأما (قد):

فالأصل فيها أن تفيد التحقق والثبوت والأصل في إفادتها هذا المعنى أن تدخل على الفعل الماضي كما في قوله تعالى: [قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ] {المؤمنون:1} . فإذا دخلت على المضارع فإنها تفيد الشك والتقليل وتخرج عن أصل معناها إلا إذا أُوِّلَ المضارع بالماضي في المعنى فإنها في هذه الحالة تبقى على أصلها في إفادة التحقيق من ذلك قوله تعالى:

[قَدْ يَعْلَمُ اللهُ المُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ البَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا] {الأحزاب:18} .

والمعنى والله أعلم: قد علم الله المعوقين، حيث أُوِّلَ المضارع بالماضي في المعنى استصحابا لأصل الاستعمال في قد، ولو لم يحدث ذلك لتغير المعنى المراد.

4)-وأما (الواو):

فالأصل فيها أن تكون لمطلق الجمع عند البصريين دون إفادة الترتيب، وانطلاقا من استصحاب هذا الأصل فقد رد الأنباري ما ذهب إليه الكوفيون من إفادتها الترتيب في قوله تعالى:

[وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ] {الجاثية:24}([97]).

5)-وأما (الفاء):

فالأصل فيها أن تفيد الترتيب باتصال واستصحابا لهذا الأصل ورد قوله تعالى: [سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى* وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى* وَالَّذِي أَخْرَجَ المَرْعَى* فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى] {الأعلى:1-5}.

6)-وأما (ثم):

فالأصل فيها أن تفيد الترتيب بانفصال، واستصحابا لهذا الأصل ورد قوله تعالى: [وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ] {المؤمنون:12- 13}.

وهنا نلحظ اختلاف التأويل باختلاف النظر إلى الأداة وهل جاءت على أصلها ومستصحبة له في إفادة معناها الأصلي أم خرجت عن هذا الأصل إلى معاني أخرى جديدة.

ثانيا: شواهد استصحاب الأصل في الكلمة:

من شواهد استصحاب الأصل في الكلمة ما يلي:

1-فك التضعيف:

قال قعنب بن أم صاحب:

مَهْلاً أَعاذِلَ قد جرّبتِ من خُلُقي

أنِّي أجودُ لأقوامٍ وإنْ ضَنِنوا([98])

فضنن الأصل في ضنَّ، وقد استصحب الشاعر فيها أصل البناء وفك التضعيف.

وقد عدل الفرزدق عن هذا الأصل فقال:

ولو رضيت يداي بها وضنَّت

لكان عليَّ في القدر الخيار([99]).

فأصل ضنت إذاً ضنِنَت، بدلالة قوله: ضننوا.

ومنه قولهم: لححت عينه، أي التصقت، وألل السقاء، أي: إذا تغيرت ريحه([100]).

ومنه قول العجاج في رجزه:

إِنَّ بَنِيَّ لَلئامٌ زَهَدَهْ

ما ليَ في صُدُورِهْم مِنْ مَوْدِدَِهْ([101])

أَراد: من مَوَدّة

ومنه:

لم يلقها إلا بشكلة حازم

يخش الحوادث عارم مستعدد([102]).

وقد ورد الاستعمال القرآني بذلك ومن أمثلته:

أ-قوله تعالى: ( [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] {البقرة:282}.

ب-وقوله تعالى: [قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] {آل عمران:31}.

ج-قوله تعالى: [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ] {آل عمران:125}.

د-قوله تعالى: [إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ] {آل عمران:140}.

هـ-قوله تعالى: ([قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا] {مريم:75}.

وقوله: [مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ] {الحج:15}.

و-قوله تعالى: [مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي البِلَادِ] {غافر:4}.

ز-قوله تعالى: [وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ] {لقمان:19}.

ح-قوله تعالى: ومن [وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا] {النساء:115}.

ط- قوله تعالى: [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ] {الأنفال:13}

ي- قوله تعالى: [وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ] {الطُّور:22}.

ك- قوله تعالى: [وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا] {نوح:12}.

ل- قوله تعالى: [وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ] {المدَّثر:6}.

2-مجيء اسم المفعول من الفعل الثلاثي المعتل العين:

نحو: مبيع، ومخيط، ومدين، ومعين، ومطيب، فهذه الأمثلة كلها قد عدل عن أصلها، إلا أن الشواهد قد وردت بردها إلى أصولها استصحابا له، حيث ورد استعمال مبيوع ومديون ومخيوط… إلخ كما في بعض لهجاتنا المعاصرة.

وحكى أبو عثمان المازني عن الأصمعي:

قد كان قومك يزعمونك سيدا 

وإخال أنك سيد معيون([103]).

وأنشد أبو عمرو بن العلاء:

وكأنها تفاحة مطيوبة([104]).

وقال علقمة بن عبدة:

يوم رذاذ عليه الدجن مغيوم([105]).

فكل من معيون ومطيوبة ومغيوم جاء على أصل بنائه ومستصحبا له.

ومن ذلك أيضا قولهم: “ثوب مصوون، وفرس مقوود، ورجل معوود من مرضه، وأنشدوا فيه:

والمسك في عنبره مدووف”([106]).

ومنه قول خفاف بن ندبة:

إذا استحمت أرضه من سمائه

جرى وهو مودوع وواعد مصدق([107]).

ومنه قول الشاعر:

صددت فأطولت الصدود وقلما

وصال على طول الصدود يدوم([108]).

إلا إن ابن جني يرفض بعض هذه الأصول حيث قال: ” ومن أدل الدليل على أن هذه الأشياء التي ندعي أنها أصول مرفوضة لا يعتقد أنها قد كانت مرة مستعملة ثم صارت من بعد مهملة ما تعرضه الصنعة فيها من تقدير ما لا يطوع النطق به لتعذره. وذلك كقولنا في شرح حال الممدود غير المهموز الأصل، نحو سماء، وقضاء. ألا ترى أن الأصل سماوٌ، وقضايٌ، فلما وقعت الواو والياء طرفاً بعد ألف زائدة قلبتا ألفين، فصار التقدير بهما إلى سماا، وقضاا، فلما التقت الألفان تحركت الثانية منهما فانقلبت همزة، فصار ذلك إلى سماء، وقضاء. أفلا تعلم أن أحد ما قدرته – وهو التقاء الألفين – لا قدرة لأحد على النطق به. وكذلك ما نتصوره وننبه عليه أبداً من تقدير مفعول مما عينه أحد حرفي العلة، وذلك نحو مبيع، ومكيل، ومقول، ومصوغ، ألا تعلم أن الأصل مبيوع، ومكيول، ومقوول، ومصووغ، فنقلت الضمة من العين إلى الفاء، فسكنت، وواو مفعول بعدها ساكنة، فحذفت إحداهما – على الخلاف فيهما – لالتقاء الساكنين. فهذا جمع لهما تقديراً وحكماً. فأما أن يمكن النطق بهما على حال فلا”([109]).

غير إنه يبرر مجيء بعض هذه الأصول المرفوضة استصحابا لأصلها قائلا: “واعلم مع هذا أن بعض ما ندعي أصليته من هذا الفن قد ينطق به على ما ندعيه من حاله – وهو أقوى الأدلة على صحة ما نعتقده من تصور الأحوال الأول – وذلك اللغتان تختلف فيهما القبيلتان كالحجازية والتميمية، ألا ترى أنا نقول في الأمر من المضاعف في التميمية – نحو شُدّ، وضَنّ، وفِرّ، واستَعِدّ، واصطبّ يا رجل، واطمئنّ يا غلام – : إن الأصل اشدُد، واضنَن، وافرِر، واستعدِد، واصطبِب، واطمأنِن، ومع هذا فهكذا لغة أهل الحجاز، وهي اللغة الفصحى القدمى”([110]).

فابن جني يفسر مجيء هذه الأصول على أنها اللغة الأولى الفصحى والقدمى لبعض العرب، ثم إنها تطورت بعد ذلك، وغلب استعمال بعض القبائل على بعض، وترك الاستعمال الأول، ويؤكد كلامه بالاستشهاد بما ورد من هذا القبيل في القرآن الكريم، حيث قال: “ويؤكد ذلك قول الله سبحانه: [فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا] {الكهف:97} ” ، أصله استطاعوا، فحذفت التاء لكثرة الاستعمال، ولقرب التاء من الطاء، وهذا الأصل مستعمل، ألا ترى أن عقيبه قوله تعالى: [وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا] {الكهف:97}”.

وفيه لغة أخرى، وهي: استعت بحذف الطاء كحذف التاء، ولغة ثالثة: أسطعت، بقطع الهمزة مفتوحة، ولغة رابعة: أستعت، مقطوعة الهمزة مفتوحة أيضاً. فتلك خمس لغات: استطعت، واسطعت، واستعت، وأسطعت، وأستعت. وروينا بيت الجران:

وفيك إذا لاقيتنا عجرفية

مراراً فما نستيع من يتعجرف([111])

بضم حرف المضارعة وبالتاء”.

ويمثل ابن جني لبعض الأصول الأخرى التي جاءت استصحابا لأصل وضعها وإن كانت هذه الأصول غير مستعملة الآن وبعضها مرفوض من وجهة نظره فيقول: “ومن ذلك اسم المفعول من الثلاثي المعتل العين، نحو مبيع، ومخيط، ورجل مدين، من الدين. فهذا كله مغير. وأصله مبيوع، ومديون، ومخيوط، فغير، على ما مضى. ومع ذلك فبنو تميم – على ما حكاه أبو عثمان عن الأصمعي – يتمون مفعولاً من الياء، فيقولون: مخيوط ومكيول، قال:

قد كان قومك يزعمونك سيداً

وإخال أنك سيد معيون

وأنشد أبو عمرو بن العلاء:

وكأنها تفاحة مطيوبة

وقال علقمة بن عبدة:

يوم رذاذٍ عليه الدجن مغيوم

ويروي: يومٌ رذاذٌ.

وربما تخطوا الياء في هذه إلى الواو، وأخرجوا مفعولاً منها على أصله، وإن كان – أثقل منه من – الياء. وذلك قول بعضهم: ثوب مصوون، وفرس مقوود، ورجل معوود من مرضه. وأنشدوا فيه:

والمسك في عنبره مدووف.

ولهذا نظائر كثيرة، إلا أن هذا سمتها وطريقها”([112]).

ثم يلخِّص ابن جني القول في تلك المسألة فيقول: “فقد ثبت بذلك أن هذه الأصول المومأ إليها على أضرب: منها ما لا يمكن النطق به أصلاً، نحو: ما اجتمع فيه ساكنان، كسماء، ومبيع، ومصوغ، ونحو ذلك.

ومنها ما يمكن النطق به، غير أن فيه من الاستثقال ما دعا إلى رفضه واطراحه، إلا أن يشذ الشيء القليل منه فيخرج على أصله منبهة ودليلاً على أولية حاله، كقولهم: لححت عينه، وألِل السقاء، إذا تغيرت ريحه”([113]).

ويذكر أمثلة أخرى على تلك المسألة فيقول: “ومن ذلك امتناعهم من تصحيح الياء في نحو موسر، وموقن، والواو في نحو ميزان، وميعاد، وامتناعهم من إخراج افتعل وما تصرف منه إذا كانت فاؤه صاداً، أو ضاداً، أو طاء، أو ظاء، أو دالاً، أو ذالاً، أو زاياً على أصله، وامتناعهم من تصحيح الياء والواو إذا وقعتا طرفين بعد ألف زائدة، وامتناعهم من جمع الهمزتين في كلمة واحدة ملتقيتين غير عينين. فكل هذا وغيره مما يكثر تعداده، يمتنع منه استكراهاً للكلفة فيه، وإن كان النطق به ممكناً غير متعذر([114]).

ومنها ما يمكن النطق به إلا أنه لم يستعمل، لا لثقله لكن لغير ذلك: من التعويض منه، أو لأن الصنعة أدت إلى رفضه. وذلك نحو ” أن ” مع الفعل إذا كان جواباً للأمر والنهي، وتلك الأماكن السبعة، نحو اذهب فيذهب معك ” [قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى] {طه:61}، وذلك أنهم عوضوا من ” أن ” الناصبة حرف العطف، وكذلك قولهم: لا يسعني شيء ويعجز عنك، وقوله:

فقلت له لا تبك عينك إنّما

نحاول ملكاً أو نموتَ فنعذرا ([115]).

صارت أو – والواو – فيه عوضاً من ” أن ” ، وكذلك الواو التي تحذف ” معها رب ” في أكثر الأمر، نحو قوله:

وقاتمِ الأعماق خاوي المخترق.

غير أن الجر لرب لا للواو، كما أن النصب في الفعل إنما هو لأن المضمرة، لا للفاء ولا للواو ولا ” لأو ” ([116]).

ومن ذلك ما حذف من الأفعال وأنيب عنه غيره، مصدراً كان أو غيره، نحو ضرباً زيداً، وشتماً عمراً. وكذلك دونك زيداً، وعندك جعفراً، ونحو ذلك: من الأسماء المسمى بها الفعل. فالعمل الآن إنما هو لهذه الظواهر المقامات مقام الفعل الناصب([117]).

ومن ذلك ما أقيم من الأحوال المشاهدة مقام الأفعال الناصبة، نحو قولك إذا رأيت قادماً: خير مقدم، أي قدمت خير مقدم. فنابت الحال المشاهدة مناب الفعل الناصب. وكذلك قولك للرجل يهوي بالسيف ليضرب به: عمراً، وللرامي للهدف إذا أرسل النزع فسمعت صوتاً، القرطاس والله: أي اضرب عمراً، وأصاب القرطاس. فهذا ونحوه لم يرفض ناصبه لثقله، بل لأن ما ناب عنه جار عندهم مجراه، ومؤد تأديته([118]).

وقد ذكر السيوطي في كتابه المزهر العديد من الأمثلة التي جاءت من هذا القبيل تحت عنوان (ذكر نبذ من الأمثلة الشاذة في القياس المطردة في الاستعمال، حيث قال: ” ومن الشواذ أيضا قولهم: القود والعور والخول والخور، وقولهم أحوجني الأمر، وأروح اللحم، وأسود الرجل من سواد لون الولد، وأحوز الإبل، أي: سار بها، وأعور الفارس إذا بدأ فيه موضع خلل للضرب، وأحوش عليه الصيد إذا أنفره لصيده، وأخوصت النخلة من الخوص، وأعوص الخصم إذا لوي عليه أمره، وأفوق بالسهم لغة من أفاق، وأشوكت النخلة من الشوك، وأنوكت الرجل إذا وجدته أنوك، وأحول الغلام إذا أتى عليه الحول، وأطولت في معنى أطلت، وأغول، أي: بكره ورفع صوته، وأقولتني ما لم أقل، وأعوه القوم، لغة من أعاه، أي: أصابت ماشيتهم عاهة، وأحيلت السماء وأغيمت لغة في أغامت، وأغيل فلان ولده لغة في أغال([119]). ومن ذلك قولهم: “أغيمت السماء، وأغيل الصبي، واستنوق الجمل، واستتيست الشاة واستغيل الصبي”([120]).

ومن الشواهد القرآنية التي وردت استصحابا للأصل في هذه المسألة قوله تعالى: ([اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ] {المجادلة:19}.

ومنه ما حكاه الفراء في معانية من قراءة عبدالله بن مسعود لقوله تعالى: [وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ] {المرسلات:11} ، حيث قرأ (وُقِّتَتْ) بالواو بدل الهمزة، وبالواو والتخفيف ( وُقِتَتْ) في قراءة أبي جعفر المدني([121]).

ثالثا: شواهد استصحاب الأصل في الجملة:

ذكرنا فيما سبق أن رد الجملة إلى أصلها نوع من الاستصحاب فيها حتى يستقيم الفهم ويتضح المعنى، وذكرنا أنه في حالة الاستتار والحذف فإننا سنرد الفرع إلى أصله ونقدر المحذوف كما في قول ابن مالك:

وفي جواب كيف زيد قل دنف

فزيد استغني عنه إذ عرف([122]).

فالتقدير: زيد دنف.

ومنه قولنا: بخير، جوابا لمن سأل كيف أصبحت؟ فالتقدير: أصبحت بخير.

وأما في حال الزيادة والفصل والتقديم والتأخير فيكون استصحاب الأصل فيها بواسطة استبعاد الزائد أو الفاصل، وتصحيح الرتبة، وقد مثلت لذلك بأمثلة عديدة عند الحديث عن الرد إلى الأصل وأسبابه، ونضيف لتلك الأمثلة أمثلة أخرى وردت في كتب النحويين منها ما يلي:

1-الفصل:

أ-قال الشاعر:

هذا لعَمرُكم الصَّغارُ بعينه

لا أمَّ لي إن كان ذاك ولا أبُ([123]).

حيث فصل بين اسم الإشارة والمشار إليه بجملة القسم (لعمركم)، وفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة (إن كان ذاك).

ب-ومنه قوله تعالى: [هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ] {ص:39}.

والتقدير والله أعلم: هذا عطاؤنا بغير حساب فامنن أو أمسك.

ج-ومنه قوله تعالى: [وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ] {الواقعة:76} .

حيث فصل بين الصفة والموصوف بجملة الشرط غير الجازم (لو تعلمون).

2- التقديم والتأخير ومخالفة الرتبة المحفوظة:

أ-قال المُخَبَّلِ:

أَتَهْجُرُ لَيْلَى بالفِراقِ حَبِيبَها

وما كان نَفْساً بالفِراقِ تَطِيبُ ([124]).

والتقدير: وما كان نفس تطيب بالفراق. حيث قدم الجار والمجرور المتعلق بالفعل عليه.

ب- قال الشاعر:

ضيعت حزمي في إبعادي الأملا

وما ارعويت وشيبا رأسي اشتعلا([125]).

والتقدير: اشتعل رأسي شيبا، حيث خالف الشاعر الرتبة المحفوظة فقدم وأخر. حيث قدم المفعول المطلق على الفعل والفاعل، وأخر الفعل عن الفاعل والمفعول.

ج-وقال جرير بن عطية:

جاءَ الخلافة أو كانت لهُ قدراً

كما أتى ربَّهُ موسى على قدرِ([126]).

حيث خالف الشاعر الرتبة المحفوظة فقدم المفعول به على الفاعل، والتقدير: كما أتى موسى ربه.

د-وقال الأعشى ميمون بن قيس:

كناطح صخرة يوما ليوهنها

فلم يضرها وأوهى قرنَه الوعلُ([127]).

والتقدير: وأوهى الوعل قرنه، حيث قدم المفعول به على الفاعل.

هـ-ومنه قول الشاعر:

فَلا لَغْوٌ ولا تَأْثِيمَ فيها

ومَا فَاهُوا به أَبَداً مُقِيمُ([128]).

والتقدير: لا فيها لغو، ولا فيها تأثيم.

و-ومنه قوله تعالى: [وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ] {البقرة:124}.

التقدير والله أعلم: وإذ ابتلى (ربُّ إبراهيم) إبراهيمَ.

3-الحذف:

أ-قال النابغة الذبياني:

أَزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا

لَمَّا تَزُلْ بِرِحَالِنَا وكَأَنْ قَدِ ([129]).

والتقدير: وكأن قد زالت. فحذف ما بعد قد

ب-قال رؤبة بن العجاج:

وقاتِم الأعماقِ خاوي المخترَقْ([130]).

والتقدير: ورب قاتم.

ج-ومنه قول امرؤ القيس:

وليل كموج البحر أرخى سدوله

علي بأنواع الهموم ليبتلي([131]).

د-قال امرؤ القيس:

ومِثْلكِ حُبْلَى قدْ طَرَقْتُ ومُرْضِعاً

فألْهَيْتُها عن ذي تمَائِمَ مُغْيَلِ([132]).

هـ-ومنه قول الراعي النميري:

إذا ما الغانياتُ بَرَزْنَ يوما

وزَجَّجن الحواجبَ والعُيونا([133]).

والتقدير: وكحلن العيون، فحذف الفعل، والتزجيج يكون للجواجب لا للعيون.

ومثله قول أحدهم: ” علفتها تبنا وماء باردا” ([134]).

والتقدير: علفتها تبنا وسقيتها ماء باردا.

و-ومنه أيضا ما ذكره ابن جني من استصحاب الحال المشاهدة وقيامها مقام الأفعال الناصبة نحو قولك إذا رأيت قادما خير مقدم، أي: قدمت خير مقدم. فنابت الحال المشاهدة مناب الفعل الناصب، وكذلك قولك لرجل يهوي بالسيف ليضرب به: عمرا، وللرامي للهدف إذا أرسل النزع فسمعت صوتا: القرطاس والله، أي: اضرب عمرا، وأصاب القرطاس″([135]).

4-الزيادة:

أ-ومنها قول الشاعر:

مروا عجالى فقالوا كيف سيدكم؟

فقال من سألوا: أمسى لمجهودا([136]).

والتقدير: أمسى ومجهودا، وقد زيدت اللام في خبر أمسى.

ب-وقول عنترة بن عروس مولى بني ثقيف:

أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ

تَرْضى من الشاةِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ ([137]).

حيث زاد اللام في خبر المبتدأ، والأصل: أم الحليس عجوز شهربة.

ج-ومنه قول الشاعر:

سراة بني بكر تسامى

على كان المسومة العراب.

والتقدير: على المسومة العراب، فكان زائدة.

رابعا): شواهد استصحاب الأصل في القواعد النحوية:

سبق القول بأن المقصود بالقاعدة الأصلية هي تلك القاعدة السابقة على الحدود والتعريفات كقاعدة رفع الفاعل ونائبه والمبتدأ، وتقدم الفعل على الفاعل والمفعول، وتقدم الموصول على صلته، وافتقار الحرف إلى مدخوله… ونحو ذلك([138]).

والأمثلة التي وردت في كتب النحو وفسرت على أنها استصحابا للأصل في القاعدة النحوية كثيرة ومتنوعة، نذكر منها ما يلي:

1-الأصل في الأسماء الإعراب، وإنما يبنى منها ما أشبه الحرف أو تضمن معناه([139]).

قال ابن مالك:

والاسم منه معرب ومبني

لشبه من الحروف مدني

كالشبه الوضعي في اسمي جئتنا

والمعنوي في متى وفي هنا

وكناية عن الفعل بلا

تأثر وكافتقار أصلا([140]).

وعلى ذلك يمكن القول أن الإعراب في الأسماء قد جاء استصحابا للأصل فيها، وأن البناء خروج عن هذا الأصل وعدول عن تلك القاعدة.

2-الأصل في الأفعال البناء، قال الأنباري: ” ومثال التمسك باستصحاب الحال في الفعل أن تقول في فعل الأمر: الأصل في الأفعال البناء، وإنما يعرب منها ما شابه الاسم، وهذا الفعل لم يشابه الاسم فكان باقيا على أصله في البناء”([141]).

ومن ثم يمكن القول أن الفعل المضارع معرب لمشابهته الاسم، ومع ذلك نجده يرد إلى أصله في البناء استصحابا لقاعدته الأصلية فيبنى إذا اتصلت به نون النسوة أو نون التوكيد بنوعيها (الثقيلة والخفيفة)، لأن هذه النون تؤكد فيه معنى الفعلية فيرد إلى أصله من البناء، ومن أمثلة ذلك:

أ)-قوله تعالى: [وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ] {إبراهيم:12}.

ب)- وقوله تعالى: [وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] {الأعراف:200} .

ج)- وقوله: [وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ] {الأنفال:25}.

د)- وقوله تعالى: [وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ] {الأنفال:58}.

هـ)-وقوله تعالى: [قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ] {يوسف:32}.

و)-وقوله تعالى: [وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ] {إبراهيم:42}.

ز)-وقوله: [فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إِنْسِيًّا] {مريم:26}.

ح)- وقوله تعالى: [وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا] {الطَّلاق:4}.

ط)-وقوله: [كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ] {العلق:15}.

3)-ومن أمثلة استصحاب الأصل في بناء الفعل المضارع من غير اتصال بنون التوكيد أو نون النسوة:

أ)-قراءة أبي عمرو بن العلاء لقوله تعالى: [وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ] {البقرة:67}، حيث قرأ بسكون الراء في (يأمرْكم)([142]).

ب)- قال الشاعر:

فاليوم أشرب غير مستحقبٍ

إثماً من الله ولا واغلٍ([143]).

وقال:

ولا تَشْتُم المَوْلى وتَبْلُغْ أَذاتَهُ

فإنَّك إن تَفْعَلْ تُسَفَّهْ وتَجْهَل ([144])

وقال:

أحاذرُ أن تعلمْ بها فترُدَّها

فتتركَها ثِقْلاً عليَّ كما هِيا([145]).

فكل من (أشرب، وتبلغ، وتعلم) أفعال جاءت مستصحبة لقاعدتها الأصلية في البناء([146]).

4)-الأصل في البناء أن يكون للأفعال والحروف، والأصل في البناء أن يكون بالسكون لأنه أخف من لحركة، ولا يحرك المبني إلا لسبب كالتقاء الساكنين، قال ابن مالك:

وكل حرف مستحق للبنا

والأصل في المبني أن يسكنا([147]).

فما جاء مبنيا على السكون من الحروف والأفعال فقد جاء مستصحبا لأصله، وما جاء على غير ذلك فقد عدل عن هذا الأصل لقرينة ما.

5)-الأصل في الأسماء ألا تعمل وإنما يعمل منها ما شابه الفعل كالأسماء المشتقة (كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وصيغ المبالغة واسم التفضيل)، لذلك وضع النحويين لها شروطا كي تعمل عمل الفعل، وما منع منها من العمل فقد جاء مستصحبا لأصل قاعدته في عدم العمل.

6)-الأصل في علامات الإعراب أن تكون بالحركات والإعراب بالحروف عدول عن هذا الأصل وفرع عليه، وعليه فما جاء من الأسماء المعربة بالحروف معربا بالحركات فإن ذلك يكون استصحابا لأصل القاعدة في علامات الأعراب كما في بعض اللغات التي وردت في الأسماء الستة، أو في إجراء المثنى بالألف على لغة بلحارث بن كعب، نحو قول الشاعر:

بأبه اقتدى عدي في الكرم

ومن يشابه أباه فما ظلم([148]).

وقول الآخر:

إن أباها وأبا أباها

قد بلغا في المجد غايتاها([149]).

7)-الأصل في الأفعال العمل فما علق منها عن العمل فإن ذلك خروجا عن القاعدة الأصلية في الفعل، وأما عمل الفعل رغم وجود ما يعلقه عن العمل فإن ذلك يعد استصحابا لقاعدته الأصلية وهي العمل، ومن ذلك قول الشاعر:

قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا

إلى حمامتنا أو نصفه فقد.

حيث عملت ليت رغم وجود (ما) المعلقة لها عن العمل.

8)-الأصل في الأسماء الصرف، ولا يمنع الاسم من الصرف إلا لعلتين مجتمعتين، أما صرف الممنوع رغم وجود العلتين المانعتين من الصرف فإن النحويين عدوا ذلك من قبيل الضرورة الشعرية، والضرورة كما ذكرنا من قبل أحد الأسباب الملجئة إلى الرد إلى الأصل واستصحاب الحال الأصلية في الأسماء وهي الصرف، ومن ذلك قول الشاعر:

عليهِ مِنَ اللُّؤمِ سِرْوالَةٌ

فليسَ يَرِقُّ لِمُسْتَعْطِفِ ([150]).

حيث صرف سروالة.

ومنه قول جرير:

لم تَتَلَفَّعْ بفضل مِئْزَرِها

دَعْدٌ ولم تُغْذَ دَعْدُ بالعُلَبِ ([151]).

حيث صرف (دعدٌ)، وحقها ألا تصرف للعلمية والتأنيث.

ومنه قول الشاعر:

ولما دخلت الخدر خدر عنيزةٍٍ

قالت: لك الويل والويلات إنك مرجلي([152]).

وقول الآخر الراعي النميري:

تَبَصَّرْ خليليَّ هلْ تَرَى مِنْ ظَعائِنٍ

تَحَمَّلْنَ مِن وَادي العَناقِ وثَهمَدِ([153]).

ومنه قوله تعالى: ([إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا] {الإنسان:4}.

9)-الأصل في اسم لا النافية للجنس أن يكون نكرة فهي لا تعمل في المعرفة، فإذا ورد اسمها معرفة فإنه يكون مؤولا بالنكرة استصحابا لأصل القاعدة فيها ومن ذلك ما ورد في كتب النحويين نحو: “قضية ولا أبا حسن لها، أي: ولا مسمى بهذا الاسم لها”([154]).

10)-الأصل في كل فعل أن يكون له فاعل، ظاهر أو مستتر، قال ابن مالك:

وبعد فعل فاعل فإن ظهر

فهو وإلا ضمير استتر([155]).

ومن ثم نجد النحويين يقدرون لكل فعل فاعل ظاهر أو مستتر استصحابا لأصل هذه القاعدة.

11)-الأصل ألا يتنازع عاملان معمول واحد، ومن ثم نجد النحويين يقدرون معمولا لكل واحد منهما استصحابا لأصل هذه القاعدة.

12)-الأصل ألا يشتغل عامل واحد بمعمولين، ومن ثم قدر النحويون عاملا للمعمول المشغول عنه (الأول أو الثاني على اختلاف الرأيين بين البصريين والكوفيين)، وهذا العامل يفسره المذكور.

13)-الأصل في الحرف ألا يعمل محذوفا بلا عوض عنه، واستصحابا لأصل هذه القاعدة نجد النحويين يتمسكون بأن عامل النصب في الفعل المضارع في بعض المسائل هو أنْ مضمرة عوض عنها بحرف أخر، زمن أمثلة ذلك:

أ-قوله تعالى: [قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى] {طه:61}.

فالفعل (يسحتَ) منصوب بأن مضمرة عوض عنها بالفاء([156]).

ب-ومنه قولهم: ” لا يسعني شيء ويعجزَ عنك” ([157]).

فالفعل (يعجزَ) منصوب بأن مضمرة عوض عنها بالواو.

ج-ومنه قول امرئ القيس:

فقلت له لا تبك عينك إنّما

نحاول ملكاً أو نموتَ فنعذرا ([158]).

حيث نصب (نموتَ) بأن مضمرة عوض عنها بأو.

14)-الأصل أن الساكنان لا يلتقيان، واستصحابا لأصل هذه القاعدة نجد النحويين يجيزون حذف أحد الساكنين إذا كانا في كلمة واحدة، أو يغيرون حركة أحدهما إلى الكسرة إذا كانا في كلمتين متجاورتين، ومن شواهد ذلك:

أ- قول الأضبط بن قريع:

لا تُهينَ الفَقيرَ عَلَّكَ أَنْ

تَرْكَعَ يَوماً والدَّهْرُ قد رَفَعَهْ ([159]).

الأصل (لا تهيننْ) فالتقت النون الساكنة مع ألف الوصل في كلمة (الفقير)، فحذفت نون التوكيد الخفيفة في (لا تهيننْ).

ب-قول الأعشى:

فإياك والميتات لا تقربنّها

ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا([160]).

حيث حرك آخر الفعل المضارع (تعبدْ) المجزوم بالسكون بالكسر تخلصا من التقاء الساكنين.

15)-الأصل في عوامل الأفعال أن تعمل مظهرة فإذا أضمرت ضعفت عن العمل، واستصحابا لأصل هذه القاعدة يمكن تفسير رفع الفعل ( أدركُ) في قول الشاعر:

لأستسلهنَّ الصّعبَ أوْ أُدركَ المُنى

فما انقادتِ الآمالُ إلاّ لصابرِ ([161]).

وللبيت رواية أخرى بنصب (أدركَ) بأنْ مضمرة عوض عنها بأو.

16)-الأصل ألا يعمل العامل في العامل، واستصحابا لأصل هذه القاعدة نجد البصريين يردون مذهب الكوفيين القائل بأن حرف الشرط وفعل الشرط يعملان في الجواب([162]).

17)-الأصل في لو الشرطية ألا يليها إلا فعل ماضي، فإن وليها فعل مضارع فإنها تقلب معناه إلى المضي استصحابا لأصل قاعدتها، ومن ذلك فسر النحويون قول كثير عزة:

رهبان مدين والذين عهدتهم

يبكون من حذر العذاب قعودا

لو يسمعون كما سمعت كلامها

خروا لعزة ركعا وسجودا([163]).

والتقدير: لو سمعوا كما سمعت كلامها.

18)-الأصل في الاسم التذكير، والتأنيث فرع عليه، ولكون التذكير هو الأصل استغنى الاسم المذكر عن علامة تدل على التذكير، ولكون المؤنث فرع افتقر إلى علامة لفظية أو معنوية تدل على التأنيث، ومن هذه العلامات تاء التأنيث، وألف التأنيث المقصورة والممدودة.

واستصحابا للأصل في الاسم نجد العديد من الأسماء التي وردت مؤنثة دون أن تشتمل على علامة تأنيث لفظية أو معنوية، من ذلك: (يدّ، وكتف، وعضد، وعين، ورجل، ورأس، وبطن، وأذن، وساعد) من أعضاء البدن، (وطريق، وسبيل، وحرب، وشمس، وأرض) والدليل على تأنيث هذه الكلمات رغم عدم اشتمالها على علامة تأنيث هو ورود الأمثلة بتأنيث الفعل معها، وكذلك عود الضمير المؤنث إليها، أو وصفها بمؤنث، أو برد تاء التأنيث إليه عند تصغيرها. نحو قولنا: العين كحلتها، والكتف شويتها، والشمس أشرقت، وأكلت كتفا مشوية، وكتيفة، وأذينة، ويدية.

ولكون التذكير هو الأصل غلب على التأنيث كما في قوله تعالى: ([وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ] {إبراهيم:33}، حيث غلب التذكير على التأنيث فالشمس مؤنث والقمر مذكر، والدليل على ذلك تذكير (دائبين). وأمثلة هذا التغليب في القرآن الكريم كثيرة.

المبحث الرابع:

أصل الاستصحاب ودوره في توجيه بعض القراءات القرآنية

مما ينبغي لفت النظر إليه أن دليل الاستصحاب يمكن الاستعانة به في توجيه العديد من القراءات القرآنية، دون الحاجة إلى الإغراق في التأويل والتقدير، ولعل أول من استعان بهذا الدليل في توجيه القراءات القرآنية هو أبو البركات الأنباري (ت 577هـ) في العديد من مؤلفاته، منها: لمع الأدلة، والإغراب في جدل الإعراب ، وأسرار العربية، والبيان في غريب إعراب القرآن، وأخص بالذكر السفر الأخير، “حيث يوجه القراءات القرآنية عن طريق القول بأنها الأصل، ومن ثم فلا تحتاج هذه القراءة إلى تعليل أو تأويل لأنها جاءت على الأصل، ومن تمسك بالأصل خرج من عهدة المطالبة بالدليل”([164]). ومن القراءات القرآنية التي يمكن توجيهها بناء على هذا الدليل وكما ذهب الأنباري ما يلي:

1-قراءة ابن كثير: (فيهي) بإشباع الهاء في قوله تعالى: [ذَلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ] {البقرة:2} .

2-قراءة من قرأ بتحقيق الهمزتين في قوله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ] {البقرة:6}.

3- قراءة من قرأ بكسر الواو في (اشتروِ) في قوله تعالى: [أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ] {البقرة:16} ) (البقرة: 16). لأن الأصل في البناء أن يكون بالسكون، والأصل في تحريك الساكن أن يكون بالكسر.

ومنه قوله تعالى: [إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] {البقرة:173} ولا عاد فلا إثم عليه) (البقرة: 173).

4-ما نقله الفراء في معانيه من قراءة عبد الله بن مسعود وأبي جعفر المدني لقوله تعالى: [وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ] {المرسلات:11}. فقد قرأ عبد الله بن مسعود أقتت بالواو (وُقِّتَتْ) ، وقرأ أبو جعفر المدني: بالواو والتخفيف (وُقِتَتْ)([165]).

5- قراءة أبي عمرو بن العلاء لقوله تعالى [فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ] {الأعراف:77} ، حيث قرأ (يا صالح إيتنا ) بتصحيح الياء بعد ضمة الحاء([166]).

6- قراءة من قرأ بكسر الميم في المضاف إلى ياء المتكلم في قوله تعالى: [قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي] {طه:94} .

ومثله قوله تعالى: [وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ] {الأعراف:150} . حيث قرأ: ابن أمِّ ، والأصل أمِّي فاكتفي بالكسرة عن الياء.

7- قراءة من قرأ بإثبات الياء في قوله تعالى: [قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ] {هود:46} ، حيث قرأ: (فلا تسألني). استصحابا للأصل.

8- قراءة أبي عمرو بن العلاء لقوله تعالى: [وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ] {البقرة:67}، حيث قرأ بسكون الراء في يأمرْكم استصحابا للأصل في الأفعال وهو البناء.

9- استصحاب الأصل في فك الإدغام كما في الآيات التالية:

أ-قوله تعالى: [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] {البقرة:217} .

ب-وقوله: [….. وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالعَدْلِ…..] {البقرة:282}.

ج-وقوله: ([قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] {آل عمران:31} .

د-وقوله: [إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ] {آل عمران:140}.

هـ-وقوله: [وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا] {النساء:115} .

و-وقوله: [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ] {الأنفال:13} .

ز-وقوله: [وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ] {لقمان:19} .

ح-وقوله: [كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى] {طه:81} .

ط-وقوله: ([مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ] {الحج:15} .

ي-وقوله: [قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا] {مريم:75} .

ك-وقوله: [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ] {آل عمران:125}.

ل-وقوله: [ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا] {الإسراء:6}.

م-وقوله: [وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا] {نوح:12} .

ن-وقوله: [وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ] {المدَّثر:6}.

10-استصحاب الأصل في بناء اللفظ المنتقل عن أصل استعماله إلى أصل آخر كما في قوله تعالى:[اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ] {المجادلة:19} .

فقد ذكر النحويون أن استحوذ أصل متروك. والمستعمل منه استحاذ.

والمتتبع لآيات القرآن الكريم يجد أمثلة أخرى عديدة جاءت مستصحبة للأصل سواء في أصل الوضع أو البناء كما مثلنا أو في أصل الجملة أو في اصل القاعدة.

الخاتمة:

من خلال الشواهد والأمثلة التي ذكرت في ثنايا البحث يمكن القول بأن دليل الاستصحاب رغم قول علماء الأصول بضعفه، إلا أنه يقدم لنا العديد من التفسيرات التي يمكن من خلالها تتبع التطور اللغوي لكثير من مفردات اللغة وقواعدها، فمعرفة الأصول والفرع من أهم مقتضيات البحث التاريخي في التطور اللغوي، ومع أن قضية الأصل والفرع قضية افتراضية لا يمكن التأكد من صحتها إلا في وجود الأدلة التاريخية وتواتر الشواهد بالأصول التي تفرعت عنها الفروع، إلا أنها تعكس طبيعة التفكير اللغوي عند العرب، كما تكشف عن جانب مهم من جوانب التطور اللغوي الذي أدى إلى ترك الأصول والعدول عنها إلى الفروع، أو الدواعي التي تستلزم مراجعة الفروع إلى أصولها، من خلال ما قدمه النحويون من تفسيرات مختلفة لهذه الأصول وسبب العدول عنها، أو هذه الفروع وسبب العدول إليها.

ومن خلال التتبع للشواهد التي فسرت في ضوء دليل الاستصحاب في كتب النحويين والتي ذكر كثير منها في ثنايا هذا البحث يمكن استخلاص النتائج التالية:

1-ظهر تأثير علم أصول الفقه في علم أصول النحو جليا في بناء الأصول النحوية على غرار الأصول الفقهية.

2-دليل الاستصحاب من الأدلة المعتبرة عند الفقهاء وعند النحويين على حد سواء، مع اتفاقهم في القول بضعفه، وأنه لا يؤخذ به إلا حيث لا دليل.

3- استخدام النحويين لدليل الاستصحاب دليل على اعترافهم به وعدم إنكارهم له، حتى وإن لم يصرحوا بذكره.

4- هناك علاقة وثيقة بين دليل الاستصحاب وقضية الأصالة والفرعية.

5- عبَّر النحويون عن دليل الاستصحاب باستخدام مصطلحات مثل: استصحاب الحال، واستصحاب الأصل، ومراجعة الأصول.

6-الاعتراف بدليل الاستصحاب وإنكاره، وكذا الاعتراف بقضية الأصل والفرع كانا المعول الأساس في اختلاف النحويين حول بعض المسائل التي كثر الخلاف حولها.

7- استطاع النحويون من خلال دليل الاستصحاب تفسير العديد من الشواهد التي جاءت مخالفة لقياس القواعد الكلية التي صاغوها.

8-تواتر الشواهد والأدلة التي تؤكد على أهمية استخدام دليل الاستصحاب في تفسير العديد من المسائل الخلافية بين النحويين.

9-يمكن من خلال دليل الاستصحاب توجيه العديد من القراءات القرآنية التي جاءت مخالفة لقياس القواعد النحوية.

10- اختلاف تأويل الشواهد النحوية باختلاف النظر في إعمال دليل الاستصحاب وعدم إعماله.

وبعد: فهذه أهم ما توصلت إليه من نتائج، وأرجو من الله العلي القدير أن يكون فيما قدمت النفع والفائدة، وأن يكون هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، [إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ] {هود:88} .

الباحث

د. إبراهيم محمد أبواليزيد خفاجة

أستاذ النحو والصرف والعروض المساعد

(كلية المجتمع بالقويعية -جامعة شقراء)

مصادر الدراسة:

-أولا: القرآن الكريم.

-ثانيا:

-أبو حيان، محمد بن يوسف بن حيان الأندلسي النحوي (ت 745هـ)، ارتشاف الضرب من لسان العرب، تحقيق: محمد أحمد النماس، مطبعة المدني بالقاهرة، الطبعة الأولى 1409هـ -1989م.

-أبو زهرة، محمد، أصول الفقه، طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، د. ت.

-ابن جني، أبو الفتح عثمان بن جني (ت 392هـ)، الخصائص، تحقيق: محمد علي النجار، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1406هـ -1986م.

-ابن عقيل، بهاء الدين عبدالله بن عقيل الهمداني المصري (ت 769هـ)، شرح ألفية ابن مالك، تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد، طبعة دار الفكر بالقاهرة، بدون تاريخ.

-ابن منظور، جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم بن منظور المصري، (ت 711هـ) ، لسان العرب، طبعة دار صادر، بيروت، د.ت.

-الأنباري، أبو البركات عبد الرحمن كمال الدين بن محمد الأنباري (ت 577هـ).

-لمع الأدلة، تحقيق سعيد الأفغاني، مطبعة الجامعة السورية، 1377هـ – 1957م.

-الإغراب في جدل الإعراب، تحقيق سعيد الأفغاني، مطبعة الجامعة السورية، 1377هـ – 1957م.

-الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين الكوفيين والبصريين، تحقيق: محمد محيى الدين عبد الحميد، مطبعة الاستقامة بالقاهرة، الطبعة الأولى 1364هـ-1945م.

-البيان في غريب إعراب القرآن، تحقيق: طه عبد الحميد طه، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1406هـ – 1986م.

-الأنصاري، أحمد مكي الأنصاري، أبو زكريا الفراء ومذهبه في النحو واللغة، طبعة المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية بالقاهرة 1384هت – 1964م.

-أنيس، إبراهيم، حركات الإعراب، مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، الجزء العاشر، لسنة 1958م.

-الحديثي، خديجة، الشاهد في أصول النحو في كتاب سيبويه، مطبوعات جامعة الكويت، ١٩٧٤م.

-حسان، تمام، الأصول: دراسة ابستمولوجية لأصول الفكر اللغوي العربي، طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء -المغرب 1401هـ -1981م.

-حسب الله، علي ، أصول التشريع الإسلامي، طبعة دار المعارف بالقاهرة، الطبعة الثالثة 1383هـ – 1964م.

-حسين، محمد إبراهيم محمد، أصول النحو في الخصائص لابن جني، رسالة ماجستير- كلية دار العلوم- جامعة القاهرة 1412هـ -1992م.

-خليل، عاطف فضل محمد: استصحاب الحال بين أصول الفقه وأصول النحو، مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها ج ١٨ ، ع ٣٦ ، ربيع الأول ١٤٢٧ هـ، الصفحات (332-362 ).

-الزمخشري، جار الله محمود بن عمر (ت 538)، شرح الفصيح، تحقيق: إبراهيم بن عبد الله بن جمهور الغامدي، طبعة جامعة أم القرى –معهد إحياء التراث الإسلامي، 1417هـ -1997م.

-السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت911هـ).

– الأشباه والنظائر في الفروع، طبعة المكتبة التجارية بالقاهرة، بدون تاريخ.

-الأشباه والنظائر في النحو، طبعة دار الكتب العلمية –بيروت -لبنان.

-الاقتراح في علم أصول النحو، تحقيق: أحمد محمد قاسم، مطبعة السعادة بالقاهرة، الطبعة الأولى 1396هـ – 1976م.

-المزهر في علوم اللغة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم وآخرون، طبعة دار التراث بالقاهرة، الطبعة الثالثة.

– سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر (ت 180هـ)، الكتاب، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، طبعة دار القلم 1385هـ، 1966م.

-الشوكاني، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني الصنعاني (ت 1250هـ ) إرشاد الفحول، مكتبة الحلبي -مصر، د. ت.

-الغمراوي، محمد عبد الفتاح ، أصول النحو في معاني القرآن للفراء، رسالة ماجستير-كلية دار العلوم- جامعة القاهرة 1412هـ -1992م.

-الفيروزآبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب (ت 817 هـ)، القاموس المحيط، ترتيب الزاوي، مطبعة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى 1959م,

-موسى، محمد سالم صالح، الأصول النحوية عند الأنباري، رسالة ماجستير- كلية دار العلوم- جامعة القاهرة 1414هـ -1994م.

([1]) في بحثه بعنوان (من مناهج الدراسة اللغوية عند العرب استصحاب الحال)

([2]) في بحثه بعنوان (استصحاب الحال بين أصول الفقه وأصول النحو).

([3]) ابن منظور، اللسان: 1/519-521، القاموس المحيط: 2/772، المعجم الوسيط 1/507.

([4]) ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين: 1/463.

([5]) المصدر السابق: 1/463.

([6])السيوطي، الأشباه والنظائر في الفروع: 157.

([7])المصدر السابق، 157.

([8])الشوكاني، إرشاد الفحول، 280 ، وانظر: حسب الله، أصول التشريع الإسلامي: 168.

([9])حسب الله، أصول التشريع الإسلامي: 168.

([10])المصدر السابق: 168، 169.

([11])أبو زهرة، أصول الفقه: 276.

([12])أبو زهرة، أصول الفقه: 276.

([13])جمع بضع، والبضع هو الفرج، وقيل الجماع، انظر اللسان، مادة (بضع)، والزبيدي، وتاج العروس (بضع).

([14])أبو زهرة، أصول الفقه: 276.

([15])الشوكاني، إرشاد الفحول: 280، وأبو زهرة، أصول الفقه: 277.

([16])أبو زهرة، أصول الفقه: 283، 284.

([17]) الحديثي، الشاهد في أصول النحو في كتاب سيبويه: 453.

([18])ابن جني، الخصائص: 2/459.

([19])الأنباري، الإغراب في جدل الإعراب: 46.

([20])انظر: لمع الأدلة في أصول النحو: 141، والإغراب في جدل الإعراب: 46، والبيان في إعراب غريب القرآن، وأسرار العربية، والإنصاف في مسائل الخلاف).

([21])الاقتراح في علم أصول النحو: 172.

([22]) انظر على سبيل المثال: الحديثي: أصول النحو في كتاب سيبويه، والعمراوي: أصول النحو في معاني القرآن للفراء، رسالة ماجستير دار العلوم- 1992م. وحسين: أصول النحو في الخصائص لابن جني، رسالة ماجستير دار العلوم- 1994م، وموسى: أصول النحو عند الأنباري، رسالة ماجستير دار العلوم- 1994م).

([23])انظر: عيد: أصول النحو العربي، وطلب: تاريخ النحو وأصوله، خليل: استصحاب الحال بين أصول الفقه وأصول النحو، مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها ج ١٨ ، ع ٣٦ ، ربيع الأول ١٤٢٧ هـ).

([24]) انظر: المصدر السابق، 114 وما بعدها.

([25]) انظر: المصدر السابق، 114 وما بعدها.

([26])انظر: خليل: استصحاب الحال بين أصول الفقه وأصول النحو، مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها ج ١٨ ، ع ٣٦ ، ربيع الأول ١٤٢٧ هـ، الصفحات ( 332-362).

([27]) أبو زهرة، أصول الفقه: 277.

([28])الأنباري، الإغراب في جدل الإعراب: 45.

([29])حسان: الأصول: 122.

([30])حسين: أصول النحو في الخصائص لابن جني: 11.

([31])المصدر السابق: 11.

([32])المصدر السابق: 20.

([33]) لمع الأدلة: 141، 142.

([34]) الإغراب في جدل الإعراب: 67-68.

([35])حسَّان: الأصول، 114-115.

([36])المصدر السابق: 125.

([37]) المصدر السابق: 116.

([38])المصدر السابق: 117.

([39])المصدر السابق: 116 بتصرف.

([40])المصدر السابق: 125 بتصرف.

([41])المصدر السابق: 127.

([42]) ابن جني، الخصائص: 1/360.

([43])المصدر السابق: 1/361.

([44])حسان: الأصول، 128-129 بتصرف.

([45]) المصدر السابق: 129.

([46])المصدر السابق: 130 بتصرف.

([47]) المصدر السابق: 130-134 بتصرف.

([48])انظر المصدر السابق: 131، 132، 134.

([49]) ابن عقيل: شرح ألفية ابن مالك: 1/13.

([50])ابن عقيل: 1/181.

([51])حسان: الأصول، 131-134.

([52])المصدر السابق: الصفحات نفسها.

([53]) المصدر السابق: 136.

([54]) ديوانه: 138، وانظر: ابن منظور، مادة ( تلع).

([55]) ديوانه، وانظر: سيبويه، الكتاب: 1/22، وابن هشام: مغني اللبيب: 1/40.

([56]) ديوانه، وانظر: سيبويه، الكتاب: 1/26-28 ، وابن عقيل، شرح ألفية بن مالك: 2/231، وهذا الباب عقد له سيبويه أمثلة كثيرة في كتابه تحت عناوين مختلفة، وهو ما يمكن أن يطلق عليه بظاهرة الاتساع انظر: الكتاب: 1/ 211-222، 228 .

([57]) سيبويه، الكتاب: 1/5، وابن سيده، المحكم: 3/178.

([58]) سيبويه، الكتاب: 1/5، والمبرد، المقتضب: 1/7، 60.

([59]) ابن جني، الخصائص: 1/205، 263، 265، والسيوطي، المزهر: 1/59.

([60]) السيوطي، الأشباه والنظائر في النحو: 1/350.

([61]) حسان: الأصول، 149 بتصرف.

([62]) المصدر السابق: 149 وما بعدها.

([63]) ابن جني، الخصائص: باب مراجعة الأصول، 2/349.

([64]) ديوانه، وانظر: والكتاب: 1/296، الخصائص: 2/350، 352، واللسان: مادة (عقل).

([65]) انظر: الكتاب: 1/244، والمقتضب: 1/210، والخصائص:1/205، ومغني اللبيب: 1/91.

([66]) انظر: الكتاب: 1/ 61، 244، والمقتضب: 1/31، الخصائص: 1/96، 205، واللسان: مادة: (سما).

([67]) ابن جني، الخصائص: 2/350، 352.

([68])حسان: الأصول، 155.

([69]) ابن عقيل: شرح ألفية ابن مالك، 1/211، 212.

([70]) سيبويه: الكتاب، 1/15، والمبرد: المقتضب، 1/156، 226، وابن هشام: مغني اللبيب، 1/236، وابن منظور: اللسان، مادة (قعد).

([71]) ابن عقيل، شرح ألفية ابن مالك: 2/229، وفي رواية أخرى: لم يلقها.

([72]) ديوانه، وانظر: سيبويه: الكتاب، 1/143.

([73]) ديوانه، وانظر: سيبويه: الكتاب، 1/143.

([74]) سيبويه: الكتاب، 1/143.

([75]) المصدر السابق: 1/251، والزمخشري، المفصل: 1/49، وابن منظور: اللسان، مادة :(كون)، ويروى: جياد بني أبي بكر، بدلا من سراة.

([76]) سيبويه: الكتاب، 1/253.

([77]) حسان: الأصول، 155.

([78]) ابن عقيل: 1/237.

([79])المصدر السابق: 1/236.

([80]) المصدر السابق: 1/204.

([81])المصدر السابق: 1/205.

([82])ابن سيده، المحكم: 2/254، وابن منظور: اللسان، مادة (شهرب)، وحسان: الأصول ، 155.

([83]) المصدر السابق: 155.

([84]) انظر: سورة التكوير، الآيات: 1-13.

([85]) سيبويه، الكتاب: 1/13، والزمخشري، أساس البلاغة: مادة (ع ري)، وابن سيده، المخصص: 4/251، وابن منظور، اللسان: مادة (عرق).

([86])السيوطي: الاقتراح في علم أصول النحو، 173 بتصرف.

([87])الأنباري، أبو البركات: لمع الأدلة، 141.

([88]) المصدر السابق: 142.

([89])ابن جني، الخصائص: 2/459.

([90]) انظر: ديوانه، وابن جني، الخصائص: 2/460، وابن منظور: اللسان، (أ و ا)، ويروى مثل قرى الشمس…إلخ.

([91]) انظر: ابن جني، الخصائص: 2/462، والبغدادي: خزانة الأدب، 4/297، وابن عقيل: 1/320.

([92]) انظر: سيبويه، الكتاب: 1/119، وابن جني، الخصائص: 2/462، وابن هشام، مغني اللبيب: 1/23، وابن منظور، اللسان: مادة (ق د د).

([93]) ابن جني ، الخصائص: 2/462.

([94]) الأنباري، الإنصاف في مسائل الخلاف: 2/282.

([95])ابن جني، الخصائص: 2/462.

([96])المصدر السابق: 2/464.

([97])انظر: الأنباري: الإنصاف في مسائل الخلاف: مسألة الواو.

([98]) ابن جني: الخصائص: 1/161، وانظر: سيبويه، الكتاب: 1/5، والمبرد، المقتضب: 1/30، 57، 209، وابن منظور، اللسان: مادة (ضنن).

([99]) المصدر السابق: 1/359، وانظر: سيبويه: الكتاب، 1/29.

([100]) انظر، ابن منظور، اللسان، مادة (لحح) ومادة (ألل).

([101])ابن منظور، اللسان: مادة (و د د).

([102])أبو حيان الأندلسي، ارتشاف الضرب من لسان العرب: 3/270.

([103]) ابن جني، الخصائص: 1/361.

([104])المصدر السابق: 1/362.

([105])المصدر السابق: 1/362.

([106])المصدر السابق: 1/363.

([107]) الزمخشري: شرح الفصيح، 2/359.

([108])سيبويه: الكتاب، 1/31.

([109])الخصائص: 1/75.

([110])المصدر السابق: 1/75.

([111])المصدر السابق: 1/76.

([112])ابن جني، الخصائص: 1/77-78.

([113])المصدر السابق: 1/77.

([114])المصدر السابق: 1/78.

([115])المصدر السابق: 1/364، وانظر: سيبويه، الكتاب: 1/186، والمبرد، المقتضب: 1/67، والزمخشري، المفصل: 1/46.

([116])الخصائص: 1/78.

([117])المصدر السابق: 1/79.

([118])المصدر السابق: 1/79.

([119]) السيوطي، المزهر في علوم اللغة: 1/231.

([120])ابن عقيل: شرح ألفية ابن مالك، 2/498 تكملة الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد في تصريف الأفعال.

([121])الأنصاري،: أبو زكريا الفراء ومذهبه في النحو واللغة، 466.

([122])ابن عقيل: 1/211.

([123])ابن عقيل: 1/342، وسيبويه، الكتاب: 1/151، وابن هشام، مغني اللبيب: 1/225، وابن منظور، اللسان: مادة (حيس).

([124])المصدر السابق: 1/265، والزمخشري، المفصل: 1/12، وابن منظور، اللسان: مادة (ح ب ب)، ويروى بالعراق بدلا من الفراق.

([125])المصدر السابق:1/266، وابن هشام، مغني اللبيب: 1/174.

([126])المصدر السابق: 2/182، وابن هشام، مغني اللبيب: 1/23.

([127])ابن عقيل: 2/88، والزمخشري، أساس البلاغة: مادة ( ي ب ب)، والخليل بن أحمد، العين: 4/101، والزبيدي: تاج العروس، فصل الواو، وروي ليفلقها بدلا من يوهنها، وروي ليقلعها.

([128]) المصدر السابق: 1/344، وابن سيده: المحكم، مادة: (ف و ه)، وابن منظور: اللسان، (ف و ه).

([129])المصدر السابق: 1/18، والزبيدي: تاج العروس، مادة: (أ ز ف).

([130]) المصدر السابق2/30، وسيبويه، الكتاب: 1/385، وابن جني، الخصائص: 1/176، 183، وابن هشام، مغني اللبيب: 1/135، وابن منظور، اللسان: مادة (ع م ق).

([131]) ديوانه، وانظر: الثعالبي: فقه اللغة: 1/96، وابن هشام: مغني اللبيب: 1/135.

([132]) المصدر السابق، وانظر: ابن عقيل: 2/30، وابن منظور، اللسان: (غ ي ل)، وابن سيده، المخصص: 4/162، ويروى محول بدلا من مغيل.

([133]) ابن عقيل: 2/189، وانظر: ابن هشام، مغني اللبيب: 1/ 133، وابن منظور، اللسان: (ز ج ج)، وابن سيده، المحكم: مادة (ج د د)، ويروى خرجن بدلا من برزن.

([134]) المصدر السابق: 1/504.

([135]) الخصائص: 1/365.

([136])ابن عقيل: 1/312، وابن جني، الخصائص: 1/91، 188، ويروى: مروا عجالاً وقالوا: كيف صاحبكم! … قال الذي سألوا: أمسى لمجهودا.

([137])المصدر السابق: 1/313، وانظر: ابن هشام، مغني اللبيب: 1/86، وابن منظور، اللسان: (شهرب).

([138])انظر: حسان، الأصول، 131.

([139])الأنباري: لمع الأدلة: 141.

([140]) ابن عقيل: 1/26-28.

([141]) الأنباري، لمع الأدلة: 142، والإغراب في جدل الأعراب: 46.

([142]) أنيس، الإعراب بالحركات، مجلة مجمع اللغة العربية ج10/56 لسنة 1958م) .

([143]) سيبويه: الكتاب: 1/ 384، وابن جني: الخصائص: 1/203، وابن منظور، اللسان: مادة (ح ق ب)، والسيوطي، المزهر: 1/99.

([144]) المصدر السابق: 1/ 186، وابن منظور، اللسان: مادة (أ ذ ى).

([145])ابن هشام، مغني اللبيب: 1/ 10.

([146]) أنيس: الإعراب بالحركات، مجلة مجمع اللغة العربية ج10/56 لسنة 1958م.

([147])ابن عقيل: 1/37.

([148]) المصدر السابق.

([149]) ابن هشام، مغني اللبيب: 1/ 13.

([150]) ابن عقيل، شرح ألفية ابن مالك: 2/255، وانظر: المبرد، المقتضب: 1/207، وابن منظور، اللسان، مادة (س ر ل).

([151]) ديوانه، وسيبويه، الكتاب: 1/288، وابن جني، الخصائص: 1/323، وابن منظور، اللسان: (دعد).

([152])ابن عقيل، شرح الألفية: 2/264، وانظر: ابن هشام، مغني اللبيب: 1/128، وابن منظور، اللسان: مادة (ع ن ز)، وابن سيده، المحكم: مادة (ن ز ع).

([153])المصدر السابق: 2/30، والزمخشري: أساس البلاغة: مادة (ب ص ر).

([154]) المصدر السابق: 1/336.

([155]) المصدر السابق:1/410.

([156]) ابن جني: الخصائص: 1/364.

([157])المصدر السابق: 1/364.

([158])المصدر السابق: 1/364، وانظر: سيبويه، الكتاب: 1/186، والمبرد، المقتضب: 1/67، والزمخشري، المفصل: 1/46.

([159])ابن عقيل، شرح الألفية: 2/247، والزمخشري، أساس البلاغة: مادة (ر م ث)، وابن منظور، اللسان: مادة (ق ن س).

([160]) ابن عقيل، شرح ألفية ابن مالك: 2/255، وانظر: سيبويه، الكتاب: 1/296، و الزمخشري، المفصل: 1/67.

([161]) ابن هشام، مغني اللبيب: 1/24.

([162]) موسى، الأصول النحوية عند الأنباري، 395.

([163]) ابن عقيل، شرح ألفية ابن مالك: 2/304، 305، وانظر: ابن جني، الخصائص: 1/ 7، وابن منظور، اللسان: مادة (ك ل م).

([164])موسى، الأصول النحوية عند الأنباري، 399.

([165])الأنصاري: أبو زكريا الفراء ومذهبة في النحو واللغة، 466.

([166])ابن جني، الخصائص: 2/352.