الحرية في المجتمعات العربية بعد ثورات الربيع العربي

انعقدت بمقر المركز يوم السبت 08 ديسمبر 2012 تزامنا مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان الذي يصادف 10 ديسمبر من كل سنة، الحلقة الثانية من منتدى الرأي في موضوع “الحرية في المجتمعات العربية بعد ثورات الربيع العربي” على أساس أرضية للنقاش، أعدها د. محمد الإمام ماء العينين وشارك في مناقشتها الأساتذة:

 الحسن مصباح، محمد سعدي، خالد شيات، رشيد سعدي، سعيد هادف، اسماعيل علالي، محمد ملحاوي، توفيق فائزي، زهر الدين الطيبي، محمد مريني، محمد أخريف، يوسف لوكيلي.. وحضور عدد آخر من الباحثين والمهتمين وقام بإدارة النقاش محمد الإمام ماء العينين.

 ومما جاء في الورقة “الأرضية”: “.. أن صعود الإسلاميين إلى الحكم في بعض دول الربيع العربي دفع لنقاشات عديدة بخصوص مستقبل الحريات في تلك الدول، وتصورات الإسلاميين لنموذج الحريات العامة وفق الضوابط الإسلامية، وحدود تأثير الدين على قضايا الحريات العامة والشخصية وعلى وضع المرأة والأقليات، وتطرح القوى الليبرالية والمثقفون والإعلاميون العلمانيون مخاوفها من أثر صعود الإسلاميين على النموذج الديمقراطي ومسألة الحريات، وقد كان بعضهم أصلاً مؤيداً لأنظمة الاستبداد خوفاً من هذا الصعود وما يمكن أن يجلبه من قيود على الحريات الاجتماعية وربما السياسية والمدنية.

وتشير الورقة إلى أن الثورات العربية لم تُربك فقط الفضاء السياسي في العالم العربي، بل أربكت كثيراً مساحة الأفكار والتنظيرات الفكرية والفلسفية والشرعية والسياسية، فطرحت تساؤلات مُلحة كانت غير حاضرة بهذا الزخم سابقاً، وأغلبها يرتبط بطبيعة العيش في فضاء سياسي مفتوح وحُر، وهو أمر سينقل الفكر الإسلامي من مرحلة التعامل بفقه الضرورات والاستضعاف، إلى فقه الحرية والتمكين.

 وهو ما سيجعل هذا الفكر أمام مفاصل صعبة في موضوعات عديدة، أهمها المحور المرتبط بمساحة الحرية والتعددية المشروعة وفق الإطار النظري للفكر الإسلامي، لأن الحديث عن الحرية، حرية الفكر وحرية التعبير، هو من أعقد الموضوعات الفكرية والشرعية والفلسفية التي ظلت تواجه الإسلاميين وقد انتقلوا اليوم من فضاء التنظير والأفكار إلى مربع العمل الواقعي الميداني ولذلك تطرح عليهم أسئلة من مثل:

ما هي حدود حرية التعبير؟ ما هي حدود حرية الاعتقاد وتغيير الدين؟ ما هي الحدود المتاحة للحرية في العمل السياسي؟ حرية تشكيل الأحزاب على أساس ديني؟

وغير ذلك من الأسئلة الأخرى التي تتطلب ايجاد إجابات تتواءم مع فضاء الحرية الذي أصبحت تتحرك فيه الحركات الإسلامية بعد الربيع العربي، أي بعيداً عن مرحلة الضرورات والاستضعاف التي بررت لهم سابقاً العديد من الممارسات”.

واستهلت الحلقة العلمية بالكلمة الترحيبية للدكتور الحسن مصباح مسؤول اللجنة العلمية بالمركز، والذي أكد أن مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بإحداث منتدى الرأي، ضمن الأنشطة العلمية الجديدة للمركز يهدف إلى فسح المجال للنقاش والحوار المباشرين بين أصحاب الفكر والرأي والباحثين والمهتمين في مختلف القضايا الفكرية والسياسية، لأن الأنشطة الثقافية الكبرى ( الأيام الدراسية، المحاضرات، الندوات…) لا تتيح ميزة “التحاور المباشر”.

ثم تناول الكلمة بعده د. ماء العينين محمد الامام ليؤكد من جانبه أن الهدف من هذا المنتدى، أن يكون فضـــاء للنقاش والتفاعل بين مختلف الطروحات والآراء الفكرية، وما اختيار الحرية كمحور أساسي للنقاش إلا لبروزها بحدة بعد موجة الثورات العربية، خصوصا بعد وصول القوى الإسلامية إلى الحكم، وبعد التذكير بالمحاور المؤطرة للنقاش والتي حددها المسير في أربعة هي: 

أثر انسداد فضاء الحرية في اندلاع ثورات الربيع العربي  مكاسب الحرية من الثورات  تدبير الحركات الإسلامية للاشكاليات المرتبطة بالحرية بعد وصولهم إلى الحكم  التحديات والمآلات

 تم فسح المجال للحضور الذي ضم حوالي ثلاثين باحثا من أساتذة وأكاديميين وإعلاميين ومهتمين، في نقاش مفتوح وتفاعلي بين الحاضرين، ضمن المحور الأول، الذي عرف طرح العديد من الآراء المختلفة، وكان الإجماع حول أهمية الموضوع وآنيتـه وأجمع كل المتدخلون على أن الحرية هي بالفعل موضوع الساعة بامتياز. واختلفت الآراء حول طبيعة الحراك هل هو ثورة؟ أم تغيير؟ أم حراك؟ أم تمرد..

ومما جاء في مداخلة الأستاذ محمد سعدي، أنه مع التحفظ على اعتبار الحراك هو ثورات أو مسميات أخرى، إلا أن الشعار الذي رفع في كل الدول كان واضحا وهو “حرية، كرامة، مساواة”، بمعنى أن المواطن العربي كان يبحث عن الاعتراف الذي هو محرك التاريخ، وخلص إلى أن انسدادا فضاء الحرية كان عاملا ضمن عوامل أخرى لاندلاع الحراك.

 ذ. سعيد هادف هو الآخر استبعد إطلاق وصف الثورات على الحراك، وأن التضييق على الحرية لم يكن العامل الوحيد لاندلاع الحرك، وأشار إلى أننا اليوم إزاء محاولات للاستيلاء على الثورات.

ذ. محمد أخريف أشار بدوره إلى أن المثقف العربي ظل يعاني من أزمة تمثل لمفهوم الحرية، وتساءل عن العلاقة السببية بين الثورات وغياب الحرية.

ذ. زهر الدين الطيبي أوضح أننا لم نكن إزاء انسداد تام لفضاء الحرية، وإن كان حق التعبير هو الإشكالية الأساسية، ورغم غياب الحرية إلا أنه كان هناك منفذ صغير هو الشبكات الاجتماعية والذي استطاع من خلاله الثوار ايصال مطالبهم إلى العالم.

د. الحسن مصباح في تناوله لهذا المحور، تساءل عن الحرية هل هي الأصل؟ ثم خلص إلى أن النخب الحديثة كانت بعيدة عن الفعل الثوري، والذي أشعل الثورة هي قوى المجتمع التقليدي، والتي تأججت مع احراق البوعزيزي لذاته.

د. محمد مريني أوضح أنه لا يوجد نمط نموذجي للحرية ولا للديمقراطية، واستبعد أن يكون انسداد فضاء الحرية هو العامل الوحيد لاندلاع الثورات.

ذ. يوسف لوكيلي أشار إلى أن الثورات الغربية كانت مؤسسة على نظريات فكرية واضحة استطاعت تحديد بوصلة الثورة وبناء الدولة المدنية بعد ذلك، وهو ما افتقدته الثورات العربية الحالية.

أما د. رشيد سعدي فهو الآخر رفض وصف الحراك بالثورة، لأن هذه الأخيرة تتطلب تغييرا جذريا، وطالب بضرورة التجديد في الفكر الديني، مع الإشارة إلى أن المستفيد من الحراك هي الجماعات والقوى الإسلامية.

بعد ذلك، عرض المسير مناقشة المحور الثاني المعنون بــ” أية مكاسب للحرية بعد الثورات؟”.

واستهل د. محمد سعدي مناقشة المحور بالتأكيد على أن هناك عدة مكاسب للحرية بالفعل من الحراك، أبرزها هو أنه أصبح هناك حديث عن ما يسمى اللفضاء العام؛ أي أن المواطن العربي أصبحت له ثقة بنفسه، كما اكتشفنا بعد الحراك أن المثقفين كانوا فقط يراقبون ولم يكونوا ينظرون للتغيير، بل أصبح المجتمع يعبر عن نفسه من خلال المؤسسات المجتمعية غير السياسية.

الأمر الثاني، أننا لم نعد أمام ظاهرة الزعامة والسلطة الأبوية للزعيم (قتلنا عقدة الزعيم داخلنا)، فالثورات لم تكن لها رأس قيادية بل كانت قياداتها غير مرئية، كما أن المثقفين والزعمماء السياسيين كانوا متوارين للوراء.

إضافة إلى بروز المرأة في العمل الميداني في ساحات التظاهر والاعتصام إلى جانب الرجل سواء بسواء، حتى في المجتمعات التي تعتبر أكثر محافظة كاليمن وليبيا وبصورة أكبر حتى مما كان في تونس ومصر، ثم بروز ظاهرة التسامح الديني خلال التظاهر والاعتصام من خلال حماية المسلمين للأقباط في صلواتهم أيام الأحد وهؤلاء للمسلمين خلال صلوات الجمعة، وهي الظاهرة التي تبرز الإيمان بالحق في العيش والمصير المشترك.

 وختم الأستاذ تدخله بالإشارة إلى أن يمكن الجزم بتحقق مكاسب كبيرة للحرية على مستوى النصوص الدستورية والقانونية في المرحلة الأولى في انتظار استكمال باقي مؤسسات البناء الديمقراطي.

ذ. اسماعيل علالي أشار من جانبه إلى أن إطلاق الحريات هو في حد ذاته مكسب للمجتمعات العربية، ولكنها مكاسب مؤقتة وغير محصنة، ونحن في حاجة لثورة ثقافية تحمي المكتسبات.

د. خالد شيات تساءل عن حقيقة وجود إجماع على مفهوم الحرية، وما إذا كانت هذه الثورات توافقت فعلا على مفهوم معين للحرية، وأكد على أن هناك نقاش مجتمعي حول عدد من المفاهيم المتناقضة، والحرية بعد الثورة يتهددها خطر الفوضى، وبالتالي لا يمكن أن تكون هناك مساومة بين الأمن والحرية.

ذ. يوسف بنطالب أكد أنه بعد إسقاط مفهوم الزعامة يتعين استحضار مفهوم المسؤولية عند الحديث عن الحرية، ومن المكاسب التي تحققت حسب رأيه أن النقاشات لم تعد محصورة في فضاءات محددة بل أصبح لها متسع كبير حاليا.

ذ. محمد أخريف أشار إلى الحاجة إلى علم كلام إسلامي جديد يحدد مختلف المفاهيم المطروحة، ومن وجهة نظره أن النخبة إنما تلتحق بالثورات ولا تصنعها، والمثقف العربي ظل يتوهم تغيير دون أن يسعى للعمل لأجله، ومن المكاسب التي رصدها هو سقوط الشرعية الكاريزمية مقابل صعود الشرعية الشعبية، ونبه إلى أن فكرة المظلومية لازالت حاضرة لدى المواطن العربي، إضافة إلى بروز العديد من المخاوف لدى المجتمعات إزاء الانتكاسات التي يمكن أن تقع، وأنه رغم ذلك لا ينبغي أن ننظر إلى المكاسب بسوء نية.

 ذ. محمد ملحاوي أوضح أنه يمكن الحديث عن مستويين من المكاسب: مكاسب داخلية تتمثل في الضمانات الدستورية التي أحيطت بها الحرية، و مكاسب خارجية حيث تغيرت الرؤية الدونية التي كان ينظر بها إلى الدول العربية.

 ذ. توفيق فائزي أشار من جانبه إلى أن أبرز مكسب تحقق للحرية هو أنها استطاعت تفكيك البنية العميقة للاستبداد التي كانت متأصلة في البلدان العربية.

د. الحسن مصباح أكد على أن المجتمعات الحديثة لم تعد تصنع تلك التراتبيات المجتمعية المعتادة، وأن المكاسب التي تحققت تتهددها الفوضى، كما أن هناك العديد من المتربصين بهذه المكاسب خصوصا دول الخليج وبالأساس الإمارات والسعودية التي تحاول اجهاض التغيير في مصر وتونس.

 ذ. سعيد هادف أشار بدوره أنه لا حرية بدون ديمقراطية للعلاقة الجدلية بينهما، وتساءل هل يجرؤ الإسلاميون على استبدال شعارهم المركزي من الإسلام هو الحل إلى الديمقراطية هي الحل.

بعد ذلك تناول الكلمة مسير اللقاء د. ماء العينين ليبرز الخلاصات التي أكدت في مجملها على أن العديد من المكاسب تحققت بالفعل لكن في ظل الخوف من النكوص والارتداد على المكتسبات، وأشار إلى أهمية كل المداخلات التي طبعها النقاش الجاد والواعي والهادف، وبالنظر لضيق الوقت أكد على عزم المنتدى الاستمرار في مناقشة الموضوع في حلقة أخرى لاحقة من حلقات المنتدى في أقرب وقت إنشاء الله، وشكر الباحثين على التفاعل والتجاوب مع موضوع الحلقة في جو علمي بحثي جاد، وتم بذلك اختتام الحلقة الثانية من المنتدى على الساعة 18 مساء

 

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*